الأحد , ديسمبر 16 2018
الرئيسية / مقالات وآراء / إشكالية إنتقال السلطة فى أفريقيا مع التطبيق على تشاد من 1980- 2016.

إشكالية إنتقال السلطة فى أفريقيا مع التطبيق على تشاد من 1980- 2016.

ورقة بحثية

 

١٦ ابريل ٢٠١٦

 

الباحث: جبرين أحمد عيسى

 

العنوان: إشكالية إنتقال السلطة فى أفريقيا مع التطبيق على تشاد من 1980- 2016.

 

المقدمة:

 

إشكالية إنتقال السلطة في الدول الأفريقية هي قضية لها جذور وروابط مع حقبة الاستعمار التي ظلت تسيطر على القرار السياسي في الدول الافريقية رغم الاستقلال الشكلي التي تحصلت عليه هذه الدول عقب الحرب العالمية الثانية.

وبالرغم من أن الدولة مكان التطبيق تشاد تعتبر مستقلة ” شكلاً” منذ عام ١٩٦٠ إلا أن للمستعمر السابق (فرنسا) تأثير واضح على القرار السياسي في تشاد وذلك عبر تدخلات مباشرة وغير مباشرة رغبت من المستعمر الفرنسي في الحفاظ على مصالحه ونفوذه في تشاد.

وتعتبر إشكالية إنتقال السلطة في أفريقيا أحد أكبر العوائق للتنمية في دول القارة حيث أن الانتقال للسلطة دائماً ما يمر عبر الانقلابات العسكرية التي لا تنتهي والتي تعلب القوى الكبرى والنخب السياسية دوراً محورياً في احداثه.

ومن خلال هذا البحث نسلط الضوء على دور النخب السياسية في الاستقرار السياسي في أفريقيا.

وذلك لما للنخب السياسية من قوة ونفوذ في تغيير السلطة وما لها من أدوات يمكنها من لعب دور محوري وفاعل في التغيير ان كان سلباً او ايجابا.

 

وفي هذا البحث نتناول أثر الصراع على السلطة بين النخب السياسية على الدولة وإستقرار البلاد وسنقوم بالتطبيق على دولة تشاد. كما سنتطرق إلى الاحداث السياسية المهمة التي حصلت في تشاد مثل الإنقلابات العسكرية والانتخابات وتغيير الدستور وحل البرلمان والمظاهرات والإغتيالات السياسية والإضرابات وغيرها من وسائل العنف وذلك في المدة الزمنية للدراسة ١٩٨٠ – ٢٠١٦.

 

الإشكالية البحثية:

تطرح الدراسة قضية العلاقة بين النخبة السياسية والانتقال السلمى للسلطة، فقد رأى الباحثين أن النخبة السياسية لها تأثير كبير على الانتقال السلمى للسلطة فى تشاد. فمفهوم النخبة السياسية يعد من المفاهيم الرئيسية التى تؤثر على الحياة السياسية بشكل عام، فهى المكون الرئيسى للنظام السياسى. ووجد الباحث أن الصراع الدائر بين النخبة العسكرية والمدنية كان له تأثير سلبى على الانتقال السلمى فى تشاد حيث لم تستطع النخبة التوصل لحد أدنى من الاتفاق حول ترتيبات الحياة السياسية.

لذلك فأن مشكلة البحث تتمحور في سؤال جوهري وهو: كيف يؤثر الصراع بين النخبة المدنية والعسكرية على التداول السلمى للسلطة في تشاد من عام  1980وحتى عام 2016؟

التساؤلات البحثية:

انطلاقاً من المشكلة البحثية يمكن بلورة سؤال رئيسى هو: كيف يؤثر الصراع بين النخبة المدنية والعسكرية على التداول السلمي للسلطة في تشاد من عام 1980وحتى عام 2016؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيسى عدد من الاسئلة الفرعية وتشمل:

– ما هى أيديولوجية النخب المختلفة ومصادر قوتها؟

– ما هى إشكالية العلاقات المدنية العسكرية؟

– ما هى أزمات الحكم فى تشاد؟

الإطار الزمني:

تم إختيار بداية الفترة الزمنية من ١٩٨٠ وذلك بسب نهاية الحرب الأهلية التي جرت في تشاد بين حركتي الرئيس فليكس مالوم ورئيس وزراءه حسين هبري وكذلك إبان حرب التسع أشهر التى وقعت في عام ١٩٨١ بين أنصار الرئيس غوكوني وداي ” فاب” وأنصار الرئيس حسين هبري ” فان”، وتم اختيار نهاية البحث عام ٢٠١٦ وذلك بسبب بداية الحملات الانتخابية للرئاسة في تشاد.

وفى فترة الدراسة وجد الباحث أن هناك ثلاث محطات هامه مرت على تاريخ تشاد الحديث وتتمثل المحطة الأولى فى تولى لول محمد شوا رئاسة البلاد وبها تم وقف القتال بين انصار الرئيس فليكس مالوم ورئيس وزراءه حسين هبرى وفقًا لاتفاقية كانو ١ والتي تمخض عنها تولي حسين هبري الوزارة، وبعد عام  من فشل لول محمد شوي في إدارة البلاد ونزع فتيل الصراع السياسي بين الفصائل المتصارعة وحدوث مناوشات وعمليات اغتيال بين الفصائل الموقعه على اتفاق كانو ١  تم الإتفاق في مؤتمر لاغوس ” نيجيريا ” على تنصيب غوكوني ودي رئيس للبلاد مما اجج مشاعر العداء بين فصيل غوكوني ” فاب” المدعوم عربياً من العقيد معمر القذافي  وحسين ” فان”  المدعوم غربياً من فرنسا وكان حصيلة هذا التأزم حرب ما يسمى بحرب التسع اشهر والتي دارت معظم معاركها داخل العاصمة أنجمينا وانتصر فيها انصار الرئيس غوكوني على انصار الرئيس حسين هبري مما اجبر الاخير على سحب قواته الى الحدود السودانية ومنها اعاد ترتيب جيشه واستطاع التغلب على انصار غوكوني. (١)

وتبدأ المحطة الثانية في عام ١٩٨٢ بعد إستيلاء الرئيس حسين هبري على الحكم في تشاد بعد إنتصاره على أنصار الرئيس غوكوني وددي حتى نهاية حكم هبري بإنتصار حركة الانقاذ الوطني بقيادة العقيد إدريس ديبي ” الرئيس الحالي” على قوات الرئيس حسين هبري بعد عدة محاولات انقلاب مدعومة من ليبيا والسودان وفرنسا، أطيح بنظام حسين هبري في ٤ ديسمبر ١٩٩٠. (٢)

والمحطة الاخيرة هي عودة النظام التعددي في عهد الرئيس إدريس ديبي إتنوا وإنتخابات ٢٠٠٥ التي تسببت في اعادة دوامة العنف الى المشهد السياسي التشادي بسبب تعديل مدة الترشح للإنتخابات الرئاسية والتي كانت محددة بدورتين فقط فتم حذف تحديد المدة من الدستور التشادي حتى يتسنى للرئيس الترشح لإنتخابات ٢٠٠٥ والتي فاز بها إدريس ديبي إتنوا. (٣)

أهمية الدراسة:

بالنظر الى ندرة المراجع العلمية التى تتناول موضوع الدراسة ولأهمية فهم الواقع السياسي لدول افريقيا جنوب الصحراء ولتشاد خاصة والاشكاليات السياسية الكبيرة في صعوبة الانتقال السلمي التي تعاني منها معظم دول أفريقيا جنوب الصحراء. وكذلك شح المكتبة العربية من مراجع تهتم بالشأن الافريقي السياسي الداخلي خاصة فيما يتعلق بالنخب الافريقية ودورها فى النظام السياسى، لذلك يسعى الباحث الى تقديم صورة واضحة عن دور النخبة السياسية فى الانتقال السلمي للسلطة فى تشاد.

كما أن مشكلة الانتقال السلمى للسلطة ليست مشكلة تواجه تشاد فحسب بل تواجه مختلف المجتمعات، بالأخص المجتمعات التى تشارك فيها النخبة العسكرية فى السلطة. فدائمًا النخبة العسكرية تجد مبرر للتدخل فى الدول بحجة عدم وجود بديل مدنى قوى، أو التخلف الاقتصادى، أو وجود عدو خارجى يتربص بالبلاد.

فلذلك ستسعى هذه الدراسة إلى تقديم صورة أولية عن أمكانية الانتقال السلمى للسلطة فى الدولة محل الدراسة، على الرغم من وجود صراع دائم على السلطة بين النخبة المدنية والعسكرية.

تقسيم الدراسة:

تم تقسيم الدراسة إلى فصلين وهما

الفصل الأول: عناصر ورؤية النخبه

أولًا: النخبة العسكرية

ثانيًا: النخبة المدنية

ثالثًا: النخبة الدينية

الفصل الثانى: النخبة وتأثيرها على التداول السلمي للسلطة.

أولًا: دور النخبة فى احترام الدستور، واستمرار المؤسسات الرسمية (الحكومية والبرلمانية)

ثانيًا: دور النخبة في الابتعاد عن العنف بكل أشكاله المتمثلة فى (الاغتيالات، المظاهرات، الاضرابات، الانقلابات)

 

 

 

الفصل الأول: عناصر ورؤية النخبه

 

إن من أهم العناصر التي تشكل النخبة السياسية في تشاد هي النخبة العسكرية والمدنية وحسب رؤية هذه النخب ومصالحها يتم تشكيل المشهد السياسي للبلاد وسنتناول في هذا الفصل كل نخبه وكذلك سنتناول رؤية هذه النخب وقوتها ونفوذها ومدى تأثيرها على المشهد السياسي في تشاد.

 

أولًا: النخبة العسكرية والمتمثلة فى المؤسسة العسكرية

 

تعتبر النخبة العسكرية هى أهم نخبة فى تشاد شأنها فى ذلك شأن معظم دول القارة الأفريقية، ففى الغالب يكون الحكام من خلفيات عسكرية أو مدعومين من المؤسسة العسكرية.

وبالنظر إلى المؤسسة العسكرية فى تشاد نجدها تتكون من:

١-القوات البرية التى يتراوح عددها بين ٢٠ الى ٣٠ ألف.

٢- قوات الحرس الجمهوري عددها حوالي ١٠ الالاف وهي الاكثر فاعلية وجاهزية، وهي غير تابعة لقيادة الاركان بل تتبع رئاسة الجمهورية مما يجعل ولاءها للرئيس.

٣- القوات الجوية قليلة العدد وضعيفة العدة تملك حوالي ١٥ مروحية مقاتلة و٤ طائرات تدريب تم تطويرها وتحويلها لتكون قتالية. (٤)

٤- لا توجد قوات بحرية في تشاد لأنها دولة مغلقة بلا حدود بحرية.

٥- رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش الوطني التشادي. (٥)

 

يعود تاريخ إنشاء المؤسسة العسكرية التشادية الى حقبت الإستعمار الفرنسي خاصة في فترة الحرب العالمية الثانية بعد إحتلال النازيين لفرنسا وعاصمتها باريس حيث كانت تشاد أحد أهم القواعد العسكرية الجوية للحلفاء، كما شاركت قوات تشاديه في تحرير فرنسا من النازيين. (٦)

كما أثبتت المؤسسة العسكرية ممثلة في الجيش الوطني قدرتها على صد العدوان الخارجي وكان ذلك جلي في حرب ليبيا على تشاد، حيث استطاع الجيش التشادي من الإنتصار في عدة معارك ضد ليبيا خاصة في معارك فايا عام ١٩٨٣ فادا ووادي الدوم ١٩٨٧ ومعركة قاعدة معاطن السارة الليبية ١٩٨٧ حيث كانت المعركة الحاسمة والتي تم التخطيط لها من قبل الرئيس حسين هبري وبقيادة العقيد حسن جاموس قائد الأركان في الجيش التشادي وتم خلال هذه المعارك أسر قائد القوات الليبية العقيد خليفة حفتر ومئات الضباط والجنود الليبيين. (٧)

 

ولم يقف دور المؤسسة العسكرية على حماية البلاد فقط، ولكن للمؤسسة العسكرية تاريخ عريق في الحياة السياسية في تشاد مقارنة بباقي النخب في الساحة السياسية التشادية، لأن النخبة العسكرية التشادية لعبة دوراً حاسماً في كل التغييرات السياسية في تشاد منذ الإستقلال.

ففي ١٩٧٥ قام الجنرال فليكس مالوم بأول انقلاب في تشاد على الرئيس انغارتا تامبولباي وذلك لقطع الطريق على جبهة فرولينا التي يتزعمها إبراهيم أباتشا لإسقاط النظام بالكامل، وذلك بعد ثورة قادها مسلمي تشاد ضد حكم الرئيس تامبولباي الذي وصل الى الحكم ١٩٦٢ عبر انتخابات ديمقراطية لكنه قام بحل كل الأحزاب إلا ” الحزب التقدمي التشادي” الذي ينتمي اليه وقام بفرض الضرائب الباهظة على الشعب، وانتشر الفساد والمحسوبية في إدارة الدولة فى فترة حكمه. (٨)

 

كما لعبت النخبة العسكرية دوراً حاسم في تغيير نظام الرئيس حسين هبري وذلك برفضه القتال ضد قوات حركة الخلاص الوطني التي يقودها إدريس ديبي والمدعومة من السودان وليبيا وفرنسا فتم الاطاحة بنظام هبري عام ١٩٩٠. (٩)

 

وكذلك فإن قيادة أفريكوم الأمريكية تعول كثيراً على الجيش التشادي في محاربة ما يسمى بالإرهاب في أفريقيا حيث أنشئت القوات الأمريكية قاعدة عسكرية صغيرة قرب العاصمة أنجمينا منذ أحداث سبتمبر ٢٠٠١، وتم عقد عدة إتفاقيات بين الحكومة التشادية والأمريكية في مكافحة الإرهاب. (١٠)

 

كما شاركت القوات التشادية في عدة معارك ضد التنظيمات الجهادية في افريقيا حيث شاركت القوات التشادية في قتال الجماعة المقاتلة في شمال مالي عام ٢٠١٤. (١١)

 

كذلك شاركت القوات التشادية في حرب الكونغو عام ١٩٩٨ لدعم الرئيس لوران كابيلا كما دعمت القوات التشادية في ٢٠١٤ إنقلاب متمردي السيليكا في جمهورية افريقيا الوسطى ضد الرئيس بوزيزي وأخيراً شارك الجيش التشادي عام ٢٠١٤ في قتال تنظيم بوكوحرام في نيجيريا. (١٢) (١٣) (١٤)

 

وعندما يقوم على رأس السلطة حاكم منتمى للمؤسسة العسكرية، أووصل للسلطة من خلال انقلاب عسكرى، أو على الأقل حاكم مدعوم عسكريًا.

نجد أن هذا النظام يغلب عليه الصفات التالية:

1- يصبح أهم تنظيم فاعل فى هذا المجتمع هو الجيش، فيعمل الحاكم على الاستعانة بالجيش لأنجاز المشاريع التى يرغب فى تحقيقها. وهذا يؤدى إلى أضعاف المؤسسات الأخرى، لصالح مزيد من قوة المؤسسة العسكرية.

2- الحاكم العسكرى يحرص على توحيد صفوف الجيش، ومنع نشوب أى انقسامات لأنها ستؤثر بالسلب على قوة الجيش الذى يمثل مصدر الشرعية الحالى. لذلك يلجأ إلى رفع رواتب الجنود ومنحهم المزيد من الحوافز.

3- اقتصاد البلاد يتحول لاقتصاد تسيطر عليه المؤسسة العسكرية، فهى التى تعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية.

4- إخضاع كل مواطنى البلاد للجيش، وجعل الحديث عن الجيش وسياساته خط أحمر لا يمكن المساس به.

5- منع خضوع الجيش لأى مؤسسة أخرى، فهو يمثل المؤسسة العليا فى البلاد التى تدير أمورها بنفسها. وقد يتحقق هذا من خلال اشتمال الدستور على بعض المواد التى تزيد من قوة المؤسسة العسكرية.

6- اتباع سياسة الحكم المنفرد وعدم الأخذ برأى أى شخص خارج المؤسسة العسكرية، والعمل على القضاء على المعارضة السياسية وتهميش دورها.

7- تصبح الدولة تابعة لسياسات الجيش، وليس الجيش هو التابع للدولة والقائم على حمايتها وبالتالى خاضع للنخبة المدنية التى يفترض أن تقوم بمهمة أدارة النظام الحاكم للبلاد.

8- يتم فرض القيود على الأعلام سواء التابع للدولة أو الأعلام الخاص، ليتم تجنب أى حديث يتناول أو ينتقد بشكل مباشر المؤسسة العسكرية وممارستها للحياة السياسية.

9- يسعى الحاكم إلى حشد الشعب وراءه لتجنب ثورته، لذلك يسعى دائمًا إلى تأجيج مشاعر الجماهير بالخطب الرنانه التى يغلب عليها طابع الحماس وكأن البلاد تخوض حرب ضروس ضد عدو سواء داخلى أو خارجى سواء حقيقى أو وهمى.

وهناك مجموعة من السمات التى تميز النخبة العسكرية التشادية بشكل خاص وهى:

١- كل الثورات المسلحة التي مرت بتشاد كانت تستمد قوتها العسكرية من إنشقاقات داخل الجيش التشادي فمعظم القيادات العسكرية التي تقود الحركات المسلحة المتمردة ضد النظام كانت جزء من المؤسسة العسكرية.

٢- العامل القبلي هو الحاسم داخل المؤسسة العسكرية فالولاء للقبيلة لا للمؤسسة العسكرية.

٣- تردي الأوضاع المعيشية لمنتسبي الجيش خاصة في حال تأخير دفع الرواتب.

٤- الفساد في المؤسسة العسكرية أحد أهم العوامل التي تعزز اللجوء للثورات المسلحة.

٥- إنحياز النخبة العسكرية للحاكم هو العامل الأهم والرئيسي في عدم إستقرار تشاد منذ الإستقلال.

٦- عدم التزام المؤسسة العسكرية الحياد في الصراع السياسي بين المتنافسين السياسيين وتدخلها لمساندة جهة على أخرى ساهم بشكل واضح في ارباك الحياة السياسية فى تشاد.

 

من خلال ما تم طرحة من تاريخ المؤسسة العسكرية ودورها الحاسم في الصراع السياسي في تشاد يتبين أن النخبة العسكرية كانت ومازالت هي الأكثر فعالية وقدرة على التغيير في تشاد وذلك بسبب عدم التزام المؤسسة العسكرية بالحياد في الصراع السياسي وتدخل المؤسسة العسكرية لمساندة طرف على آخر مما يدفع الساسة لكسب ود القاده العسكريين لتدعيم مواقفهم والسيطرة على الحكم من خلال ولاء قيادات الجيش الوطني.

 

ثانيًا: النخبة المدنية

 

أهم ركائز الانتقال السلمي للسلطة في أي دولة حديثة يتوقف على الدور الذي تلعبه النخب المدنية في التأثير على القرار السياسي والذي من المفترض أن يعبر عن شرائح المجتمع ككل خاصة تلك الشريحة التي توصف بالنخبة المدنية التي تعبر عن رأي الشارع التشادي والمتمثلة في الاحزاب السياسية والحركات المدنية كمؤسسات المجتمع المدني مثل نقابات العمال والموظفين وشركات القطاع الخاص والمنظمات الحقوقية والأندية الثقافية وشيوخ القبائل والمرجعيات الدينية والاقليمية والجهوية وغيرها من النخب ذات الصبغة المدنية.

وكما هو الحال في كثير من الدول فان هذه المؤسسات لعبة دوراً مهماً في التأثير على المشهد السياسي التشادي منذ بداية الحملات الإستعمارية الفرنسية لتشاد في ١٨٩٠، حيث لعبت القبائل الدور الأهم في مقاومة الإستعمار وتأخير سيطرته على تشاد وكذلك لعبت المؤسسات الدينية دوراً بارزاً عبر شيوخ الدين الذين حرضوا الشعب على مقاومة الإستعمار والدفاع عن ارضهم بكل وسيلة، وبسبب هذه الجهود من العلماء جمع المستعمر الفرنسي في عام ١٩٢٧ حوالي ٤٠٠ عالم دين تشادي من جميع محافظات تشاد في منطقة ” أبيشا في شرق تشاد” وتم قتلهم جميعاً بصورة بشعة بالسواطير وسميت هذه المذبحة بمجزرة الكبكب ” اي الساطور”.(١٥)

 

وكذلك فإن كثير من أمراء وشيوخ وسلاطين القبائل لعبوا دوراً مهماً في مقاومة الإستعمار ورفض الرضوخ له مما دفع الفرنسيين لمحاولة كسب قلوب أمراء وشيوخ القبائل عبر تعليم أبناء شيوخ القبائل وأقربائهم وتوظيفهم في مناصب حكومية سعياً لكسب ودهم.

 

تنقسم النخبة المدنية في تشاد الى الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدنى، المرجعيات الدينية، جماعات المصالح داخل العاصمة والقبائل، وبشيء من التفصيل نجد أن:

 

١- الأحزاب السياسية:

 

تعد تشاد دولة تعددية حزبية وينص دستورها الحالي ” تم إعتماده بعد إستفتاء عام ١٩٩٦” على التعددية الحزبية ويسمح لكل المواطنين في تكوين والانضمام الى الاحزاب السياسية المرخص لها من الدولة حسب القانون.

والدستور يمنع تكوين الأحزاب على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي أو جهوي أو غير ذلك من أشكال التمييز. (١٦)

وينقسم الأحزاب السياسية في تشاد الى فئتين:

 

* أحزاب داخلية. (١٧)

وهي تلك الأحزاب التي تمارس العمل السياسي داخل البلاد ومرخص لها بالعمل السياسي من الدولة بشكل قانوني.

يبلغ عدد الأحزاب السياسية المصرح لها من الدولة حوالي ١٨٩ حزب رسمي، منها ٩٦ حزب تكون حلف فيما بينها ويتزعم حزب حركة الانقاذ الوطني الحاكم هذا الائتلاف.

 

ويعد حزب حركة الانقاذ الوطني ” الحزب الحاكم في تشاد” هو أهم وأكبر الاحزاب في تشاد خاصة بعد إنضواء مجموعة من الإحزاب الصغيرة تحت لوائه مما يعزز من تصدره للأحزاب في معظم محافظات البلاد الـتى يتراوح عددها ل 23 محافظة تقريبًا.

كما أن رئيس البلاد الحالي إدريس ديبي ايضاً من حزب حركة الانقاذ الوطني. ويحظى الحزب الحاكم في تشاد بدعم كبير من معظم رجال الأعمال في تشاد ومن أبناء السلاطين وزعماء القبائل والمرجعيات الدينية وذلك بسبب تقاطع المصالح بين الاطراف المتعددة.

 

تبلغ أعداد الأحزاب المعارضة الداخلية حوالي ٩٤ حزب ويتزعم أحزاب المعارضة حالياً صالح كبزابو من حزب الاتحاد الوطني للديمقراطية والتجديد، وكذلك يعد الدكتور يورنغار من حزب إتحاد العمل من أجل الجمهورية أحد أبرز قيادات المعارضة الداخلية في تشاد.

 

 

* أحزاب المعارضة في المنفى. (١٨)

 

وهي مجموعة من الأحزاب والحركات المعارضة بعضها ينتهج المنهج السلمي للمشاركة في الحياة السياسية وبعضها الآخر لديها أذرع مسلحة تنتهج العنف من أجل التغيير والمشاركة في السلطة.

 

تعتبر حركة فرولينا فاب “فصيل غوكوني وددي الرئيس السابق ” أحد أهم الحركات المعارضة في المنفى سابقاً وذلك لتاريخ الحركة النضالي ضد نظام الرئيس انغارتا تامبولباي في ستينيات القرن الماضي، لكن الحركة عادة الى تشاد بعد عقد صلح مع الرئيس الحالي إدريس ديبي في ٢٠٠٣.

 

ومن بعدها هناك حركة فيكس التي تزعمها العقيد محمد نور عبد الكريم حاولت الاطاحة بنظام ادريس ديبي في عام ٢٠٠٦ حيث ضمت الحركة الكثير من القيادات العسكرية والكوادر السياسية التي إنحازت الى العمل المسلح بعد تغيير الدستور التشادي في عام ٢٠٠٥ من قبل الرئيس الحالي ديبي وذلك ليتمكن من الترشح لإنتخابات الرئاسة في البلاد لولاية ثالثة.

 

كما أن حركة الإتحاد من أجل الديمقراطية والتنمية في تشاد والتي يتزعمها الجنرال محمد نوري الليشي تعد من أكبر الأحزاب ففى عام ٢٠٠٨ وصلت قواته الى مشارف القصر الرئاسي داخل العاصمة لكنها لم تستطيع اسقاط النظام.

 

وتعد حركة العمل من أجل التغيير في تشاد برئاسة الدكتور على أورجو هاميشي أحدث وأكبر الأحزاب السياسية العسكرية في المنفي في الوقت الراهن ٢٠١٦.

 

٢- منظمات المجتمع المدني:

 

تعد منظمة الاتفاقية التشادية للدفاع عن حقوق الانسان والتي يتزعمها أمينها العام محمد نور ابيدو أحد أهم المؤسسات الحقوقية في تشاد. (١٩)

وقد قامت هذه المنظمة بالكثير من الأعمال وساهمت في رصد والتحقق ومتابعة أعمال العنف والتضيق على الحريات العامة من قبل الاجهزة الامنية والنظام الحاكم في تشاد.

 

كما تعد نقابات العمال في تشاد أحد أهم مرافق النخبة المدنية التي تساهم في التعبير عن رأى الشارع التشادي خاصة في أوقات الازمات حيث ساهمت نقابة العمال التشادية في تنظيم الكثير من المظاهرات والاضرابات وآخرها كان يوم ١٩ فبراير و٢٤ فبراير٢٠١٦ تم تنظيم إضراب عام في البلاد.

 

النقابات الطلابية تعد هي الاخرى من أهم النقابات التي تساهم في التظاهر والتعبير عن رأي الشارع في كثير من الأزمات التي مرت بالبلاد منذ عام ١٩٩١ الى ٢٠١٦ خاصة تلك التظاهرات الكبيرة التي شهدتها البلاد في فبراير من عام 2016 عقب إغتصاب جماعي لطالبة قاصرة من قبل أبناء قيادات سياسية وعسكرية في النظام الحاكم. (٢٠)

 

٣- جماعات المصالح داخل العاصمة

 

هناك نخبة داخل العاصمة أنجمينا ويسمون بـ ” انجيمنوا ” اي سكان أنجمينا، وهذه النخبة تعد من أنشط وأكثر النخب السياسية تأثيرا على الحياة السياسية في تشاد حيث ان هذه النخبة تتكون من أبناء التجار والمثقفين وموظفي الدولة الذين تعاقبوا على إدارة الدولة وهم يوالون بعض، وبعضهم أتى أجدادهم من خارج تشاد إبان فترة الاستعمار وفي بداية فترة الاستقلال ” حيث أن فرنسا كانت تنقل الموظفين في الدول المستعمرة من دولة الى اخرى حسب الاحتياج “، لذلك نجد اليوم داخل مؤسسات الدولة بعض الوزراء ووكلاء الوزراء وبعض المسؤولين الكبار في الدولة من اصول غير تشادية او خليط عرقي بين تشادي واخر غير تشادي.

تكمن أهمية هذه الفئة من النخبة انها توالي بعض وأنها تدعم بعض ولها نفوذ واسع في الدولة وفي التجارة ولديها علاقات قوية مع المستعمر الفرنسي وكذلك مع دول الجوار خاصة تلك الدول التي ينتمي بعض هذه النخبة اليها في الاصل.

 

هذه النخبة ليس لها تنظيم رسمي او شكلي لكنها موجودة على الارض وتنشط في كل المحافل من أجل المحافظة على مصالحها.

 

٤- القبائل (٢١)

 

تعتبر القبائل في تشاد هي المكون الرئيسي للمجتمع وتوجد في تشاد أكثر من ٢٠٠ قبيلة وتتحدث أكثر من ١٠٠ لهجة ” اللغة الرسمية في تشاد هي العربية والفرنسية ” وتتفاهم معظم القبائل باللغة العربية الدارجة فيما بينها.

ونظراً لهذا العدد الكبير من القبائل، ستكتفى هذه الدراسة بتناول القبائل المؤثرة فقط في المشهد السياسي التشادي خاصة تلك القبائل التي لها تواجد مهم داخل المؤسسة العسكرية والتي تعتبر أقوى النخبة الفاعلة والمؤثرة في السياسة في تشاد. وهذه القبائل هى الزغاوة، والقرعان، والسارا، والعرب، والواداى.

وسنركز فى دراسة كل مجموعة قبيلة على حسب التعداد السكاني للقبيلة وأماكن تواجدها وكذلك الثروات الطبيعية التي تتمتع بها مناطق تواجد القبيلة وكذلك نفوذ القبيلة في الدولة خاصة في المؤسسة العسكرية والتي تشكل عصب النخبة السياسية في تشاد.

وأن كان هذا لا يعنى أنه لا توجد قبائل أخرى قد تكون فاعله في بعض فترات الصراع السياسي في تشاد كقبائل الهجراي في وسط البلاد حيث شارك أبناء هذه القبيلة في إنهاء حكم الرئيس السابق حسين هبري عام ١٩٩٠عبر مشاركتها في تكوين حركة الانقاذ الوطني الذي يتزعمه الرئيس الحالي ادريس ديبي، حيث كان دور الزعيم الراحل ملدوم بادا عباس بارزاً في تأسيس الحركة ومساعدة إدريس ديبي في السيطرة على السلطة في تشاد.

 

 

 

  • قبيلة الزغاواة:

يبلغ عدد أبناء القبيلة أقل من ١٪ من مجموع عدد سكان تشاد البالغ حوالي ١٤ مليون نسمة. وتتمركز هذه القبيله فى شمال شرق تشاد حتى شمال دارفور في السودان وعاصمة الزغاواة هي مدينة أم جرس في محافظة بيلتين. وفى هذه المنطقة توجد ثروات طبيعية مستكشفه مثل النفط والذهب واليورانيوم والألماس وغيرها من الثروات الطبيعية التي تواجد في معظم مناطق شمال ووسط تشاد والتي لم يستفاد منها بعد.

وتعد الأبل أحد أهم الثروات المتواجدة في منطقة الزغاواة.

تستمد القيبلة قوتها من أن رئيس الدولة منذ ١٩٩٠ إدريس ديبي إتنوا من الزغاواة فرع البدايات، كما أن بعض قيادات الجيش في عهد الرئيس السابق حسين هبري أمثال قائد الاركان السابق حسن جاموس وغيرهم وفي عهد الرئيس الحالي إدريس ديبي هم من الزغاواة. أبناء الزغاواة يشغلون مناصب كثيرة في إدارة الدولة خاصة في رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع والداخلية والخارجية.

وكذلك فإن أبناء الزغاواة يعدون اليوم من أغنى تجار تشاد ويمتلكون شركات وعقارات كثيرة في العاصمة كما تعد مدينة أم جرس واحدة من المدن “المتطورة” في تشاد.

 

  • قبيلة القرعان:

يبلغ عدد أبناء القبيلة حوالي ٧٪ من إجمالي عدد السكان البالغ ١٤ مليون نسمة. وتتواجد هذه القبيلة فى شمال تشاد حتى حدود ليبيا وغرباً حتى حدود النيجر ووسط تشاد حتى محافظة البطحاء وشرقاً حتى حدود محافظة بيلتين وجنوب وسط البلاد حتى محافظة واداي. توجد ثروات طبيعية فى منطقة تواجد هذه القبيلة غير مستكشفه مثل النفط والذهب واليورانيوم والألماس وغيرها من الثروات الطبيعية التي توجد في معظم مناطق شمال ووسط تشاد. تعد هذه المنطقة أحد أهم مناطق إحتياطيات المياه الجوفية في العالم. كما أنها تعد من أكثر مناطق تشاد ثراء بالمواشي مثل الإبل والبقر والخرفان.

تستمد هذه القبيلة نفوذها من أن الرئيسان السابقان قوكوني وددي (١٩٨٠- ١٩٨٢) والرئيس حسين هبري (١٩٨٢- ١٩٩٠) من أبناء القرعان. كما تعد قبيلة القرعان أحد أهم ركائز الجيش التشادي حيث إنضم أفراد قبائل القرعان الى الجيش التشادي ايام الحرب الاهلية الاولى عام ١٩٦٦ ضد نظام الرئيس الاول انغارتا تامبولباي.
كما أن القرعان لديهم نفوذ كبير في التجارة خاصة في الاستيراد والتصدير وتجارة المواد الغذائية داخل العاصمة، ناهيك عن عملهم في الزراعة في المناطق القريبة من العاصمة أنجمينا بالإضافة الى تحالفهم مع تجار الزغاواة وذلك بسبب صلات الرحم والمصاهرة بين هاتين القبيلتين.

 

  • قبائل الواداي: (التونجور، الميما، التأما وغيرهم).

تمثل حوالي ٩٪ من مجموع عدد السكان البالغ ١٤ مليون، وتتمركز فى شرق تشاد في محافظة واداي وعاصمتها ابيشا. يحدها من الشرق حدود دارفور السوداني، ومن الشمال محافظة بيلتين ومن الغرب محافظة البطحاء ومن الجنوب محافظة السلامات. أيضًا توجد ثروات طبيعية غير مستكشفه فى هذه المنطقة مثل النفط والذهب واليورانيوم والألماس وغيرها من الثروات الطبيعية التي تواجد في معظم مناطق شمال ووسط تشاد. كما تعد هذه المنطقة أحد أهم مناطق إحتياطيات المياه الجوفية في العالم.

تستمد هذه القيبلة نفوذها من وجود عدد كبير من حيث عدد الجنود في الجيش التشادي. وكذلك فإن كثير من الخلوات الدينية وعلماء الصوفية قدموا الى هذه المنطقة من ليبيا ايام السنوسين ومن تونس أيام بني هلال وقطنوا في هذه المنطقة ولذلك فواداي تعد مركز للدين الإسلامي في تشاد.

 

  • قبائل عربية:

يبلغ عدد أبناء القبائل العربية حوالي ١٣٪ من مجموع عدد السكان البالغ ١٤ مليون نسمة. تتمركز في وسط البلاد في محافظة البطحاء وشرقاً في محافظة السلامات وكذلك لديهم انتشار في مناطق اخرى في جنوب البلاد ووسط البلاد في محافظة شاري.

يوجد في إقليم البطحاء والسلامات الذهب والالماس وكميات غير مستكشفه من البترول كما أن مناطق العرب تعد من أكثر المناطق التي بها ثروات حيوانية كبيرة حيث الابل والبقر والخرفان وكذلك الغزلان وذلك بسبب تواجد العشب في محافظتي البطحاء والسلامات معظم فترات العام.

للعرب حضور دائم في المشهد السياسي التشادي حيث أن اللغة العربية تعد اللغة الاولى من حيث التواصل ما بين افراد الشعب التشادي وكذلك اللغة العربية هي لغة رسمية للبلاد مع الفرنسية بالتساوي.

للعرب تواجد كبير في الجيش التشادي منذ أول ثورة تشادية ضد الرئيس تامبولباي ” فرولينا ” عام ١٩٦٦ كان بعض القيادات التي قادة المعارك ضد تامبولباي من عرب تشاد. (أمثال القائد محمد البقلانى نائب الدكتور أبا صديق، قائد الثورة بعد مقتل إبراهيم أباتشا عام ١٩٦٨، كذلك الزعيم الراحل أصيل أحمد والزعيم الشيخ أبن عمر وزير خارجية تشاد سابقًا). كما أن العرب لديهم حضور كبير في الوظيفة العامه في الدولة خاصة في وزارة الخارجية وفي وزارة الدفاع. وكذلك فإن للعرب تواجد قوي وملحوظ في ممارسة التجارة في تشاد.

 

  • قبيلة السارا:

يبلغ عدد أبناء القبيلة ٣٠ ٪ من عدد السكان البالغ ١٤ مليون نسمة. وتتواجد هذه القبيلة فى جنوب البلاد حتى حدود افريقيا الوسطى وشمالاً حتى سلامات وغيرا شمال غرب حتى حدود شاري باقريمي وغرباً حتى حدود الكاميرون. وتوجد فى هذه المنطقة ثروات متنوعة كالبترول والذهب والالماس وكذلك ثروة حيوانية هائلة من الغزلان والحيوانات المفترسة والخنازير البرية. كما أن أول تصدير للبترول في تشاد تم عام ٢٠٠٣ من خلال بئر مدينة دوبا في جنوب البلاد

تستمد هذه القبيلة نفوذها من أن أول ثلاث رؤساء في البلاد كانوا من السارا ” انغارتا تامبولباي ١٩٦٢- ١٩٧٥نويل أودينغار ١٣ ابريل ١٩٧٥ ١٥ ابريل ١٩٧٥ فليكس مالوم ١٩٧٥ – ١٩٧٩). كما أن قبيلة السارا تعد أكثر القبائل مشاركة في الحياة السياسية التشادية وأكثرها خبرة في إدارة شؤون الدولة وذلك يعود الى إعتماد الاستعمار الفرنسي على أبناء الجنوب “الغير مسلمين” في إدارة شؤون البلاد منذ الإحتلال الفرنسي لتشاد عام ١٨٩٠. كذلك فأن معظم مرافق الدولة في تشاد تدار من قبل أبناء السارا وذلك لخبرتهم الطويلة في ادارة الدولة. يغلب في بعض الفترات (فترات السلم) تواجد أعداد كبيرة من أبناء السارا في المؤسسة العسكرية خاصة الجيش الوطني التشادي وباقي الاجهزة الأمنية في الدولة.

 

ثالثاً- النخبة الدينية: (٢٢)

 

كانت المجتمعات التشادية بتنوعها الإثني والقبلي قبل وصول الاديان الى اراضيها مثلها مثل غيرها من القبائل الافريقية وثنية تتعبد الاصنام والاشجار وغيرها من الالهة.

ومنذ دخول الاسلام الى المجتمع التشادي في القرن الاول الهجري على يد بعض اصحاب التابعي عقبة بن نافع الفهري والذي وصل الى جبال تيبستي شمال تشاد ووقف على جبل إيمي كويساي في وسط جبال تيبستي على الحدود الجنوبية الليبية التشادية.

و أول من اعتنقوا الاسلام في هذه المنطقة ” تشاد ” هم سلاطين امبراطورية كانم (والذين معروف عنهم انهم ينحدرون من اصول حميرية تعود الى نسب سيف بن يزن ملك حمير في اليمن).

وكذلك دخلت النصرانية الى تشاد في وقت قريب مقارنة بالإسلام حيث ان النصرانية دخلت تشاد مع طلائع المستكشفين الأوروبيين حيث وصلت اولى حملات المستبشرين عام ١٨٢٠ وتركزت جهود التبشير في مناطق الجنوب حيث توجد القبائل الافريقية من السارا الذين كانوا يدينون الوثنية ويعيشون في الغابات الاستوائية ولم يصل اليهم الاسلام فكانت هذه المناطق في الجنوب سهلة التنصر مقارنة بمناطق تشاد الاخرى والتي دخلها الاسلام في وقت مبكر كما ذكرنا سابقاً.

أما الوثنية فهي كما ذكرنا هي ديانة قديمة وموجودة منذ القدم في تشاد وهناك بعض القبائل التي مازالت تدين بها في وسط البلاد وغربها ومناطق اخرى في وسط وجنوب وغرب البلاد، لكن عددها قليل مقارنة بعدد المسلمين.

وبالنظر إلى حصة كل ديانة في تشاد من حيث النسب نجد أن معظم الاحصائيات تقول ان نسبة المسلمين تتجاوز ٨٥٪ والنصرانية ٥٪ والوثنية ١٠٪. لذلك يمكن تقسيم النخبة المدنية إلى الإسلامية، والنصرانية، والوثنية.

 

النخبة الإسلامية في تشاد:

تعتبر النخبة الإسلامية من أكثر النخب تأثراً وتأثيراً في المجتمع وذلك بسبب نسبة تعداد المسلمين في البلاد وبسبب سيطرة رجال الدين على الجماهير.

وينقسم المسلمين في تشاد الى فريقين:

١- الصوفية

٢- أنصار السنة

يعتبر معظم المسلمين في تشاد من الصوفية ويعود سبب انتشار الصوفية في تشاد الى الخلوات وحلقات الذكر التي انتشرت في عهد الدولة العثمانية وبسبب الطريقة السنوسية في ليبيا التي كانت تقوم بحملات دعوية للصوفية خاصة في مناطق الشمال والوسط والشرق وكذلك إنتشرت الصوفية مع حملات توسع المهدية السودانية في دارفور نحو اراضي تشاد ودخولها في صراع مع الاستعمار الفرنسي للسيطرة على مناطق شرق ووسط تشاد.

وكان من ابرز أئمة الصوفية في تشاد الإمام الفكي/ موسى إبراهيم ” مفتي تشاد ” إبان حكم الرئيس السابق انغارتا تامبولباي من ١٩٦٢ الى ١٩٧٥ وبعد زوال حكم تامبولباي كان مفتي البلاد الإمام/ محمد البدوي في حقبة الرئيس حسين هبري وبعد زوال حكم هبري تولي الافتاء الإمام الدكتور/ حسين حسن أبكر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وفي عهده حصلت نقله نوعية في توسع الصوفية وحصل صراع مرير مع أنصار السنة المحمدية في تشاد برئاسة الشيخ/ محمد نهار وذلك من خلال محاولة سيطرة كل فريق على أدوات الدعوة والعمل الاسلامي في تشاد مما الزم تدخل الرئيس إدريس ديبي وابرم اتفاق تعايش سلمي بين الفريقين المسلمين لكن الصراع لم ينتهي بهذا الاتفاق وعادت المواجهة بين الفريقين في عدة مناسبات خاصة حين يتعلق الامر بالمساعدات الدعوية والخيرية التي تقدمها الدول الاسلامية ” الخليجية” وفي النهاية نجح فريق الدكتور حسين حسن أبكر، مفتي تشاد في الإنتصار على أنصار السنة المحمدية وتم إغلاق مكاتب ومقار الجماعة في البلاد وبأمر من رئيس الدولة وأعلن رئيس الدولة أن تشاد دولة صوفية ولا مكان للوهابية في تشاد ” يقصد أنصار السنة المحمدية”.

وللطرق الصوفية سيطرة كبيرة على منابر الدولة الرسمية مثل مفتى البلاد والتواجد في المؤتمرات الاسلامية والدينية فان علماء ومشايخ الصوفية هي التي تمثل الدولة بشكل رسمي ويحظى الشيخ الدكتور/ حسين حسن أبكر بمكانة كبيرة لدى النظام الحاكم وكذلك في الدول الاسلامية لذا فان اثر الصوفية على الحياة السياسية في تشاد كبير خاصة على أتباع ومريدي الصوفية وعلى الشعب.

أما جماعة أنصار السنة المحمدية تعتبر أحد الفرق المؤثرة على الشعب في تشاد خاصة في فترة اندلاع الحرب بين فرولينا بقيادة / إبراهيم اباتشا، المسلم والمدعوم عربياً من السودان وليبيا ومصر ودول الخليج وبين أنصار الرئيس السابق انغارتا تامبولباي النصراني المدعوم من فرنسا والغرب.

واستطاع أنصار السنة المحمدية ومعهم الصوفية في عام ١٩٦٦ من حشد المسلمين ضد نظام الرئيس السابق تامبولباي وتجنيد الكثير من أبناء المسلمين من أجل اسقاط نظام تامبولباي والذي كان يهيمن على الدولة وإدارتها وبسبب التجاوزات التي حصلت ضد تجار المسلمين في جنوب البلاد وفي العاصمة أنجمينا.

وإستطاعت حركة فرولينا هزيمة نظام تامبولباي وسحق قواته فانقلبت قوات الجيش في أنجمينا على النظام وتم تصفية الرئيس تامبولباي عام ١٩٧٥.

كما استطاعت الجماعة زيادة انصارهم في اماكن كثيرة من تشاد خاصة في وسط وشمال تشاد بعد ان قامت بحملات دعوية مكثفة ومتتابعة وقامت بأعمال حفر الآبار وإنشاء المدارس ودور حفظ القرآن وبناء المساجد وتقديم المعونات أثناء أزمات الفيضانات والجفاف التي تحدث من حين لا آخر في كثير من المدن والقرى في عموم البلاد مما زاد مخاوف انصار الصوفية وقامت هي الاخرى بمواجهة انصار السنة المحمدية عبر منابرها وعبر الاستعانة بالدولة ونجح المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة الشيخ الدكتور/ حسين حسن أبكر مفتي الدولة من اغلاق منابر ومكاتب ومقار جمعيات انصار السنة المحمدية وحظر نشاطها في تشاد مما أضعف عمل الجماعة وأثر على تواجدهم في الساحة وخلت الساحة الرسمية لإنصار المجلس الإسلامي الأعلى، لكن جماعة أنصار السنة مازالت متواجدة عبر منابر الجمعة في المساجد التابعة للجماعة خاصة ان قرار حظر نشاط جماعة انصار السنة لا تشمل باقي الجماعات السنية في تشاد.

يعمل معظم أبناء المسلمين في تشاد في الرعي والتجارة وفي وظائف حكومية، وهم يسيطرون على قطاع التجارة في تشاد.

 

النخبة النصرانية في تشاد:

يبلغ نسبة النصارى في تشاد حوالي ٥٪ وينقسم النصارى في تشاد بين كاثوليك وبروتستانت لكن الغالبية تتبع الكنسية الكاثوليكية

وتعتبر النخبة النصرانية في تشاد من النخب المؤثرة في الساحة السياسية مدعومة من جمعيات تبشيرية عالمية بلغ عددها ٧٨ جمعية عام ٢٠٠٣ وقد لعبت النصرانية أدواراً مهمة في الازمات التي حصلت بين المسلمين والنصارى خاصة في تأجيج المشاعر والحشد الجماهيري وقد كان ذلك جلي أبان الحرب بين فرولينا ” المسلمين ” وأنصار الرئيس تامبولباي ” النصارى” في فترة الستينات والسبعينات من القرن المنصرم.

وكذلك يظهر دور الكنيسة في تشاد بوضوح في الحشد الجماهيري اوقات الإنتخابات فيتم توجيه الجماهير لمرشحين يضمنون مصالح الكنيسة مما يدفع الكثيرين من المرشحين للإنتخابات النيابية والرئاسية لخطب ود الكنيسة وقساوستها في كل سباق انتخابي بهدف الحصول على اصوات الناخبين من النصارى.

كما أن النخبة النصرانية في تشاد تحظى بدعم كبير من الفاتيكان وقد قام البابا بوليس الثاني في التسعينات من القرن المنصرم بزيارة تاريخية الى تشاد قدم خلالها دعمه الكامل للنخبة النصرانية بزعامة رئيس أساقفة أنجمينا الراحل / ماتياس مايادي مما عزز مكانة النخبة النصرانية في المشهد السياسي التشادي.

وللنخبة النصرانية دور كبير في إدارة مرافق الدولة حيث ان معظم الإدارات في الحكومة ومؤسسات الدولة الرسمية يديرها النصارى خاصة في فترة الستينات والسبعينات مما عزز من وجودهم بسبب سياسيات الإستعمار الفرنسي في تعليم أبناء الجنوب النصراني وترك الشمال المسلم دون تعليم.

ورغم ان مؤسسات الدولة يسيطر عليها نصارى تشاد إلا ان الأنظمة المتعاقبة على الحكم “في الفترة الزمنية للبحث” كانت حريصة على خلق نوع من التوازن في الوظائف الهامة حيث يشغل المسلمون معظم المناصب العليا في الدولة.

النخبة الوثنية في تشاد:

الوثنية في تشاد قديمة قدم تواجد الانسان التشادي على هذه الارض وتتمركز الوثنية في تشاد في مناطق الجنوب لكن لها وجود في جنوب غرب البلاد وبعض مناطق الوسط، ويؤمن الوثنيون بآله مختلفة منهم من يعبد الشجر ومنهم من يعبد الحجر غيرها من العبادات والمعتقدات.

تحظى النخبة الوثنية في تشاد بتواجد غير كبير بين قوات الجيش التشادي خاصة تلك المجموعات التي تعيش قريبة من مناطق المسلمين بين أبيشا ومنغو في شرق ووسط البلاد.

يعمل معظم الوثنين في رعي الابقار في الغرب والوسط ويمتهنون الزراعة في الجنوب. وليس للنخبة الوثنية أثر كبير فى الحياة السياسية بالمقارنة بالنخبة الإسلامية والنخبة النصرانية.

والنخبة الدينية تلعب دور هام في التعايش السلمي بين المعتقدات المختلفة اذ لم يسجل في تشاد منذ ثمانينات القرن الماضي أي توتر كبير بين المسلمين والنصارى والوثنين لذلك يعيش أبناء المدن في إنسجام وتعايش ودي رغم إختلاف معتقداتهم مما عزز من السلم الإجتماعي في البلاد.

 

 

 

الفصل الثانى: النخبة وتأثيرها على التداول السلمي للسلطة.

 

لا شك أن تأثير النخبة في التداول السلمي للسلطه أمر جلي وواضح خاصة في هذا العصر الذي تلعب فيه النخب دوراً مؤثراً في اتخاذ القرارات السياسية التي تشكل المشهد السياسي لأي دولة، ولم تعد اي دولة تتجاهل دور النخبة في برنامجها السياسي وأصبحت حاجة الحكومات لإرضاء النخب أمراً جوهرياً في سياساتها وقراراتها.

في هذا الفصل سينقسم الى فقرتين الاولى تتناول دور النخبة في إحترام الدستور وإستمرار المؤسسات الرسمية مثل الحكومة والبرلمان.

وفي الفقرة الثانية سنتناول دور النخبة فى الابتعاد عن العنف بكل أشكاله المتمثلة فى (الاغتيالات، المظاهرات، الاضرابات، الانقلابات)

 

أولًا: دور النخبة فى احترام الدستور، واستمرار المؤسسات الرسمية (الحكومية والبرلمانية)

لم تكن النخبة فى تشاد داعمه لقواعد اللعبة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، حيث عملت على عدم احترام الدستور وكذلك عدم الاهتمام بالوصول لحد أدنى من التوافق بين مختلف القوى السياسية. لكن كل فصيل كان يصل للسلطة كان يسعى لإسقاط الأخرين، وهذا أنعكس بالسلب على الحياة السياسية فى تشاد حيث لم يعد هناك احترام للدستور أو استمرار فى المؤسسات الرسمية سواء الحكومية أو البرلمانية.

والتفصيل كالأتى:

 

عدم إحترام الدستور: (٢٣)

الدستور التشادي أيضًا كان عرضه للتغيرات، والعديد من التعديلات. حيث وضع أول دستور لدولة تشاد في عام ١٩٥٩ قبل الاستقلال بعام وينص هذا الدستور على النظام البرلماني وينصب رئيس وزراء لتشاد لمدة ٥ سنوات ” وكان اول رئيس وزراء لتشاد هو انغارتا تامبولباي قبل الاستقلال. وبعد الاستقلال تم تغيير الدستور ٦ مرات.

 

فمنذ إستقلال تشاد عام ١٩٦٠ وحتى أول انتخابات رسمية اجريت في عام ١٩٦٢ والتي اسفرت عن فوز الحزب الوطني التقدمي برئاسة انغارتا تامبولباي لم تحترم الانظمة المتعاقبة على الحكم في تشاد الدستور.

 

ففي عام ١٩٦٦ حل الرئيس تامبولباي الاحزاب السياسية في البلاد وأبقى على الحزب الوطني التقدمي فقط، مخالفاً بذلك دستور البلاد الذي ينص على التعددية الحزبية في البلاد، مما أجج الشعب ضده وبدأت مظاهر العنف والقتل تنتشر في البلاد خاصة في العاصمة أنجمينا وجنوب البلاد في مدينة سار وكذلك في بعض مناطق الوسط والشرق.

 

في مايو ١٩٨٢ تم تغيير الدستور للمرة السابعة في عهد الرئيس غوكوني وددي عقب مفاوضات طويلة بين حلفاء نظام غوكوني. وكذلك بعد حرب التسعة أشهر وإنتصار قوات هبري على قوات غوكوني تم تغيير الدستور في سبتمبر١٩٨٢والذي بموجبه تم دمج رئاسة الجمهورية بمنصب رئيس الوزراء واصبحت كلها بيد الرئيس حسين هبري، كما تم إنشاء محكمة من الحزب الحاكم “فان” يضم ٣٠ عضواً من أعضاء الحزب. كما تم انشاء مجلس استشاري مكون من ٣٠ عضواً من جميع محافظات تشاد الـ ١٤.

 

وفي ١٩٨٩ وبعد ضغوط على نظام حسين هبري من فرنسا للتحول الديمقراطي في تشاد تم تقديم مسودة لتغيير الدستور تتضمن تحديد مدة الرئيس بـ ٧ سنوات والابقاء على نظام الحزب الواحد مع عرض الدستور على الشعب من اجل الاستفتاء وبشرط أن يتم التغيير في حال حصل الاستفتاء بنعم على ٩٢٪ من اصوات الناخبين، لم يتم إجراء الإستفتاء بسبب دخول البلاد في حرب مع حركة الانقاذ الوطني بزعامة إدريس ديبي.

 

وفي عام ١٩٩٠ بعد تولي إدريس ديبي إتنو الحكم ” عقب نجاح الانقلاب العسكري الذي قاده ضد نظام هبري” تم وقف العمل بالدستور الذي وضعه حسين هبري وتم إعتماد ميثاق وطني في ١٩٩١ لمدة ٣٠ شهر يتم بعدها إنشاء دستور جديد للبلاد لكن هذه المدة تم تجازوها وذلك للمصاعب الكثيرة التي وجهتها نظام ديبي في بداية حكمه حيث تم عقد مؤتمر وطني عام للمصالحة وتم تكوين لجنة قانونية عليا من أجل إعداد مسودة دستور جديد وتم إقرار الدستور الجديد بعد الاستفتاء عام ١٩٩٦.

وبموجب هذا الدستور عادة التعددية الحزبية الى البلاد مرة اخرى وتم إعتماد نظام إنتخابي لكل ٥ سنوات للإنتخابات الرئاسية و٤ سنوات للإنتخابات البرلمانية وتحديد عدد مرات إنتخاب الرئيس بولايتين.

 

وفي عام ٢٠٠٥ بعد إنتهاء عدد ولايات الرئيس إدريس ديبي إتنو قام بتعديل دستوري يسمح له بالترشح في الإنتخابات الرئاسية لمدد غير محددة.

 

من الواضح من خلال تاريخ العمل السياسي في تشاد ومن خلال الاحصائيات المذكورة وعدد مرات تغيير الدستور وعدم إستقرار الحكومات أن النخبه السياسية في تشاد فشلت في إحترام قواعد العمل الديمقراطي في كل المراحل الصعبه التي مرت بها البلاد حيث فشلت كل الحكومات المتعاقبة وفشل كل الرؤساء في إحترام الدستور والالتزام بقواعد الديمقراطية. من أول رئيس تامبولباي حتى الرئيس الحالي إدريس ديبي إتنو لم تنجح النخبه السياسية في إحترام مواد الدستور والتداول السلمي للسلطة في البلاد مما عزز من عدم الاستقرار السياسي وإنتشار الفساد وإنعدام التنمية الاقتصادية وإنعدام الانسجام والتجانس الإجتماعي بين مكونات النسيج الإجتماعي التشادي.

 

 

 

 

 

إستمرار المؤسسات الحكومية:

 

كذلك منذ إستقلال تشاد في ١٩٦٠ تعاقبت العديد من الحكومات على البلاد، فكان معدل تغيير الحكومات مرتفع، حيث أنها كانت تغير وتبدل في فترات قصيرة بمتوسط ٦ أشهر عمر الحكومة، بل فى بعض الأحيان كان يظل منصب رئيس الوزراء شاغر. وفيما يلي نتناول بعض أسماء ومدة شغل منصب رئيس الحكومة:

 

  • ١٩٧٩ الى ١٩٨٢ شاغر
  • ٥/١٩٨٢ الى ٦/١٩٨٢ يورنغار نغردوم
  • ٦/١٩٨٢ الى ٣/١٩٩١ شاغر
  • ٣/١٩٩١ الى ٥/١٩٩٢ جان الينغي
  • ٥/١٩٩٢ الى ٤/ ١٩٩٣ جوزيف يوديمان
  • ٤/١٩٩٣ الى ١١/١٩٩٣ فيدل مونغار
  • ١١/١٩٩٣ الى ٤/١٩٩٥ ديلوا كاسيري كاموغي
  • ٤/١٩٩٥ الى ٥/١٩٩٧ كويبلا جيميستا
  • ٥/١٩٩٧ الى ١٢/١٩٩٩ نصور وايدو
  • ١٢/١٩٩٩ الى ٦/٢٠٠٢ ناغوم ياماسوم
  • ٦/٢٠٠٢ الى ٦/٢٠٠٣ هارون كبادي
  • ٦/٢٠٠٣ الى ٢/٢٠٠٥ موسى فكي
  • ٢/٢٠٠٥ الى ٢/٢٠٠٧ باسكال يوديمانجي
  • ٢/٢٠٠٧ الى ٤/٢٠٠٨ ديلوا كاسيري كاموغي ” للمرة الثانية”.
  • ٤/٢٠٠٨ الى ٣/٢٠١٠ يوسف صالح عباس
  • ٣/٢٠١٠ الى ١/٢٠١٣ امانويل نادينغار
  • ١/٢٠١٣ الى ١١/٢٠١٣ جيمرانغار نادانغي
  • ١١/٢٠١٣ الى ٢/٢٠١٦ كالزوباي بهيامي ديبيت
  • ٢/٢٠١٦ الى اليوم البرت بهيامي باديك

 

 

السلطة التشريعية في البلاد:

 

كما هو حال معظم الدول الافريقية الاخرى ظل البرلمان التشادي غير فاعل وفاقد لأي تأثير في المشهد السياسي التشادي وذلك لسيطرة الرئيس على البرلمان عبر حصول حزب الرئيس على الاغلبية التي تمكنه من السيطرة على قرارات البرلمان أو عبر إنشاء تحالفات بين الحزب الحاكم والأحزاب الأخرى للسيطرة على البرلمان.

 

بدأ العمل البرلماني في تشاد قبل الاستقلال في عام ١٩٥٩ وكان أول رئيس للبرلمان التشادي اللاو طاهر. إستمر البرلمان متواجد في المشهد السياسي التشادي حتى عام ١٩٧٥ عقب إنقلاب فليكس مالوم على الرئيس انغارتا تامبولباي.

 

ظل البرلمان التشادي مغيباً عن المشهد من ١٩٧٥ الى أغسطس ١٩٩٠ حيث تم إعادة عمل البرلمان في أغسطس ١٩٩٠، حين أعاد تفعيل البرلمان الرئيس حسين هبري قبيل زوال حكمه بـ ٤ أشهر.

 

عقب تولي الرئيس الحالي إدريس ديبي للحكم في تشاد في ديسمبر ١٩٩٠ تم الغاء البرلمان لمدة ٣ أعوام وأستبدل بالمجلس الأعلى الانتقالي عام ١٩٩٣ برئاسة لول محمد شوا، حتى أكتوبر ١٩٩٤.

 

وتولى محمد بشير رئاسة المجلس الأعلى الإنتقالي من أكتوبر ١٩٩٤ الى ١٩٩٧.

وفي عام ١٩٩٧ أعيد تفعيل البرلمان الوطني التشادي وكان رئيسه ودال عبد القادر كاموغي.

أستمر رئاسة كاموغي للبرلمان حتى عام ٢٠٠٢، حيث خلفه في الرئاسة نصور وود حتى عام ٢٠١١.

 

منذ عام ٢٠٠٢ لم تتم عمل اي إنتخابات برلمانية وذلك بالاتفاق بين الحزب الحاكم وتحالف حماية الدستور برئاسة / البروفيسور: محمد صالح إبني. فقد تم الاتفاق على تأجيل الانتخابات البرلمانية في عام ٢٠٠٧ بعد وساطة قام بها الاتحاد الاوروبي لحل النزاع بين الحكومة وأحزاب المعارضة التي كانت تطالب بإجراء الانتخابات البرلمانية في وقتها والتي كانت مقررة في ٢٠٠٦.

 

وفي عام ٢٠١١ تم عمل الانتخابات البرلمانية وتمكن حزب حركة الخلاص الوطني وحلفاءه من الفوز بالأغلبية الساحقة حيث فازت بـ ١١٧ صوت من أصل ١٨٨ صوت، وحصل المستقلون على ١٩ صوت وحصلت أحزاب المعارضة على باقي الأصوات. ومنذ عام ٢٠١١ حتى اليوم سيطر حزب حركة الخلاص الوطني على البرلمان وبرئاسة أمين عام الحزب هارون كباداي.

 

ظل دور البرلمان التشادي غير فاعل في معظم القضايا التي مرت بالبلاد وذلك لسيطرة الحزب الحاكم على الاغلبية التي تمكنه من تمرير أي قرار أو قانون دون الحاجة الى تقديم تنازلات للمعارضة ولم تستطع احزاب المعارضة من تشكيل أي تأثير على حلفاء الحزب الحاكم من الاحزاب الصغيرة والتي تشكل قوة داعمه للحزب الحاكم في البرلمان.

وبسبب عدم وجود احزاب معارضة فاعلة ظلت السلطات التشريعية في يد السلطة التنفيذية ومن ثم غاب التوازن السياسي في البلاد.

 

 

ثانيًا: دور النخبة فى الابتعاد عن العنف بكل أشكاله المتمثلة فى (الاغتيالات، المظاهرات، الاضرابات، الانقلابات)

 

من أهم الادوار التي تلعبها النخبة في المشاركة السياسية إبتعادها عن ممارسة أشكال العنف المتمثل في المظاهرات والإضرابات والإغتيالات والإنقلابات، التي تؤدي الى عدم الإستقرار السياسي في البلاد. لكن النخب الافريقية سواء كانت مدنية أو دينية أو عسكرية ساهمت في أعمال العنف التي دارت في دولهم، لذلك نجد معظم الدول الافريقية غير مستقرة ودائمة التوتر.

وإذا تناولنا الوضع في تشاد نجد أن أشكال العنف المتمثلة في كثرة عمليات الإغتيالات السياسية والتصفية الجسدية للخصوم وتنظيم المظاهرات والاضرابات وكذلك حدوث الإنقلابات العسكرية تكررت في تشاد منذ الاستقلال ١٩٦٠.

وغالباً ما يعود سبب الاضطرابات السياسية الى محاولة النظام الحاكم السيطرة على السلطة بشكل مطلق وذلك من خلال سن قوانين او تعديلات دستورية لا تضمن التداول السلمي للسلطة في البلاد، أو من خلال استخدام القوة لفرض الأمر الواقع.

 

وحين نتناول بعض مظاهر العنف في تشاد نجد أن أحد سماتها كانت تتمثل في كثرة الاغتيالات السياسية التي تعرض لها معارضو الانظمة الحاكمة.

 

مظاهر العنف في تشاد:

 

ففي فترة حكم الرئيس حسين هبري ١٩٨٢الى ١٩٩٠ حصلت عمليات إغتيال وتصفية سياسية واسعة في البلاد قدرت بحوالي ٤٠ ألف ضحية إغتيال مباشر أو موت اثناء التوقيف في السجون وذلك حسب تقارير لجنة تحقيق كونتها الحكومة التشادية الحالية وحسب إفادات الشهود والادلة التي قدمتها هذه اللجنة خلال محاكمة الرئيس السابق حسين هبري في ٢٠١٣م في محكمة إفريقية في داكار عاصمة السنغال. (٢٥)

إستفاد نظام حسين هبري كغيره من الانظمة الشمولية في حقبة الحرب الباردة من وجود قطبين متنافسين في العالم ” الولايات المتحدة الامريكية ممثلاً للرأسمالية الغربية والاتحاد السوفيتي ممثلاً للإشتراكية الشرقية”. وبسبب هذا التنافس بين القطبين السوفيتي والأمريكي لم تكن القوى العظمى تهتم بمسائل حقوق الإنسان والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة مما أتاح الفرصة أمام الحكام الأفارقة الإنفراد بالسلطة وتصفية خصومهم ومنع الحريات والتظاهر والاضرابات.

فكانت فترة حكم هبري فترة بوليسية بإمتياز وتم تصفية المعارضين السياسيين أو نفيهم الى الخارج.

كذلك فى عهد الرئيس الحالي إدريس ديبي كانت مظاهر العنف كثيرة ومتعددة ومتنوعة ساعد على إبرازها دعوات المجتمع الدولى الى التوجه للنظام الديمقراطي الغربي بعد سقوط الإتحاد السوفيتي وبدأ مرحلة قيادة أمريكا للعالم منفردة.

فكانت أولى كلمات الرئيس إدريس ديبي حين وصل الى العاصمة حيث قال: ” أنا لم أتي اليكم بالذهب والفضة لكني جيئتكم بالديمقراطية والحرية”.

رغم هذه الكلمات مظاهر العنف لم تختفي من الساحة السياسية التشادية خاصة المظاهرات والاضرابات.

 

ففي أول إختبار حقيقي للديمقراطية لحكم إدريس ديبي في ١٩٩١م فشل النظام الحاكم في التعامل مع الحدث بشكل ديمقراطي وذلك حين قام مجموعة من طلاب الجامعات والمدارس بمظاهرات سلمية تطالب بصرف مستحقاتهم المالية التي تأخر صرفها لعدة شهور. وتعامل النظام الحاكم بشدة مع هذه التظاهرات السلمية وإستخدم قوات الجيش والأجهزة الأمنية الرصاص الحي وقنابل الغاز لتفريق المظاهرات قمعها والتى سقط فيها قتلى وجرحى وتم إعتقال قيادات الإتحادات الطلبية في المدارس والجامعات التشادية.

ولم تسلم البلاد من التظاهرات والاضرابات طوال فترة حكم الرئيس الحالي. ففي عام ٢٠٠٥ خرجت مظاهرات عارمة نظمتها أحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية وذلك بعد تعديل البند ٦١ من الدستور التشادي الذي يحدد مدة إنتخاب الرئيس بفترة واحدة قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط، فتم تعديل هذه المادة بعد موافقة البرلمان ” والذي تسطير عليه الحكومة ” لتكون مدة إنتخاب الرئيس مفتوحة. (٢٦)

تسبب هذا التغيير في الدستور في اضطرابات كبيرة في البلاد من مظاهرات وإعتقالات وإضرابات في الداخل.

لكن النظام دائماً ما كان يتعامل مع هذه التظاهرات والاضرابات باستخدام العنف في تفريق المظاهرات وقمعها وإعتقال قيادات أحزاب المعارضة والنقابات العمالية والمنظمات الحقوقية وقيادات إتحادات الطلبة.

 

ونتيجة لهذا التغيير في الدستور تم تكوين حركات تمرد مسلحة على الحدود السودانية وحدود دولة أفريقيا الوسطى وأهم هذه الحركات المسلحة وهي حركة فيكس بقيادة العقيد / محمد نور عبد الكريم، وكذلك في الشمال على الحدود الليبية الحركة التشادية للعدالة والديمقراطية بقياد يوسف توغيمي وزير الداخلية السابق ووزير العدل السابق في نظام الرئيس إدريس ديبي.

 

أستمرت التظاهرات في البلاد وكان معظمهما بسبب الأزمات الإقتصادية التي تمر بها البلاد بين فترة وأخرى وتأخر الدولة فى دفع رواتب الموظفين او الطلاب، وقد تحدث المظاهرات لأسباب إجتماعية أو سياسية. وكان آخر هذه التظاهرات في شهر فبراير ٢٠١٦ وذلك بسبب جريمة إغتصاب جماعي لطالبة تشادية تم إختطافها وإغتصابها من مجموعة من أبناء وزراء وقيادات عسكرية في حكومة الرئيس إدريس ديبي.

 

وعمت هذه التظاهرات كافة المدن الرئيسية في البلاد مثل العاصمة أنجمينا وإبيشا في الشرق وموندو وسار في الجنوب وماو في الغرب وفايا في الشمال وموسورا في الوسط. كما قامت الجاليات التشادية في الخارج بتنظيم مظاهرات وإعتصامات في الكثير من عواصم دول العالم خاصة في باريس ولندن وكوالالمبور وبرلين والقاهرة والخرطوم ونيويورك ومونتريال وغيرها من مدن العالم، مطالبين النظام بالعدالة ومعاقبة المتهمين.

لم يلب النظام مطالب المتظاهرين والتي تتمثل في محاكمة علنية وعاجلة للمتهمين وإنزال العقوبة على من تثبت إدانتهم.

ورغم إعتقال المتهمين في هذه القضية لم يتم محاكمتهم في العاصمة وتم ترحيلهم خارج العاصمة ” تقول الحكومة انهم في سجن كورو تورا ” الشديد الحراسة في صحراء تشاد في الشمال”، لكن جهات حقوقية تقول خلاف ذلك.

 

كما نظمت منظمات المجتمع المدني برئاسة محمد نور ابيدو اضراباً شاملاً في العاصمة يوم ١٩ فبراير ٢٠١٦ إحتجاجاً على إستخدام الحكومة القوة والرصاص الحي في فض المظاهرات التي نظمتها مؤسسات المجتمع المدني مما أدى الى شلل كامل في البلاد.

 

حيث تم قمع معظم المظاهرات التي عمت معظم المدن التشادية من الجيش والأجهزة الأمنية وسقط في هذه التظاهرات قتلى وجرحى وتم إعتقال بعض قيادات المجتمع المدني وعلى رأسهم محمد نور ابيدو رئيس إتحاد منظمات حقوق الإنسان وغيره من قيادات المجتمع المدني. (٢٧)

 

أما الإغتيالات السياسية:

 

من السمات البارزة في عدم استقرار النظم الأفريقية بعد الإستقلال الإغتيالات والتصفيات السياسية للخصوم السياسيين.

 

وبسبب وصول معظم حكام أفريقية للسلطة عن طريق الانقلابات العسكرية أو لوجود دعم المؤسسة العسكرية كان طبيعياً أن يتم تصفية الخصوم أو إعتقالهم ووضعهم قيد السجن وذلك من اجل انفراد الحاكم بالسلطة ولعدم وجود أدني توافق بين شركاء الانقلاب في إدارة البلاد فيتم تصفية شركاء الامس من أجل السيطرة المطلقة على السلطة.

 

ففي حكم الرئيس حسين هبري ١٩٨٢-١٩٩٠ لقي مالا يقل عن ٤٠ ألف شخص ” حسب لجان التحقيق للحكومة الحالية ومنظمات حقوقية غربية” حتفهم وتعذيبهم وذلك بسبب مواقفهم السياسية او اراءهم.

وفي عام ٢٠١٣ بدأت محاكمة الرئيس السابق حسين هبري وبعض أعضاء نظامه في محكمة أفريقية في السنغال وذلك بتهم إرتكاب أعمال إبادة وجرائم ضد الإنسانية في فترة حكمه للبلاد. (٢٨)

 

ومنذ تولي الرئيس إدريس ديبي للحكم حدث عدت عمليات قتل وإغتيال لشخصيات سياسية وأخرى مدنية منها:

 

  • إغتيال العقيد : كوغوني غيت ورجل الاعمال عيسى قرعان في ١٩٩١ بعد تسلميهم من قبل الجيش النيجيري لنظام إدريس ديبي .
  • مقتل الرجل الثاني في حركة الخلاص الوطني العقيد: عباس كوتي في ١٩٩٢، بعد إتفاق صلح تم برعاية العقيد معمر القذافي في السودان.
  • تصفية القائد: بشر موسى. في ١٩٩٣.
  • مقتل مامادو بيسو وزير الكهرباء السابق في عام ١٩٩٢.
  • مقتل المحامي ونائب رئيس الرابطة التشادية لحقوق الإنسان جوزيف بيهيدي عام ١٩٩٢.
  • مقتل قائد حركة القوات المسلحة من أجل الجمهورية الفيدرالية لوكان برداي في ١٩٩٨.
  • مقتل قائد حركة القوات المسلحة من أجل الجمهورية الفيدرالية مووي كيتي عام ٢٠٠.
  • مقتل الوزير يوسف توغيمي قائد الحركة التشادية للعدالة والديمقراطية في ليبيا عام ٢٠٠٢.
  • إختفاء البروفيسور محمد صالح إبن عمر عام ٢٠٠٨. (٢٩)

 

وكانت ظاهرت الإغتيال والقتل خارج القضاء كثيرة ومتعددة في الأنظمة المتعاقبة على الحكم في تشاد لا سيما في حكم الرئيسين السابق : حسين هبري والحالي : إدريس ديبي.

 

بالنظر إلى الإنقلابات العسكرية:

 

إن جل النظم السياسية التي أعقبت مرحلة الاستعمار الغربي للدول الأفريقية كانت نظم عسكرية أتت عن طريق الإنقلابات العسكرية لذلك ظلت هذه الدول غير مستقرة سياسياً ولم يتوقف إستخدام العنف من أجل التغيير وتداول السلطة في هذه الدول، إلا بعد تحول بعض الدول الى النظام الديمقراطي التعددي لتداول السلطة عبر الوسائل السلمية.

حيث أن أول إنقلاب عسكري حصل في تشاد كان في ١٩٧٥ وذلك من قبل قوات الجنرال فليكس مالوم على نظام الرئيس أنغرتا تامبولباي ولم تزل الانقلابات العسكرية والحروب الاهلية مستمرة في تشاد منذ هذا الانقلاب. (٣٠)

 

ومن تجارب الانقلابات التي حصلت في تشاد عقب تولي لول محمد شوا رئاسة الدولة لفترة إنتقالية لعدة شهور في ١٩٧٩ تم تنصيب غوكوني وددي رئيس للبلاد وتولى حسين هبري نائب للرئيس وزيراً للدفاع.

 

لكن سرعان ما دب الخلاف بين الرئيس ووزير دفاعه بسبب مطامع الزعيم الليبي معمر القذافي في السيطرة على تشاد عبر أرساله قوات عسكرية ليبية داخل تشاد وسيطرته على شمال تشاد مما تسبب في حدوث أحد أكبر الحروب التشادية في الخسائر البشرية وتدمير شبه كامل للعاصمة أنجمينا والتي عرفت بحرب التسع أشهر عام ١٩٨١.

 

حكم غوكوني وددي عامين ١٩٨٠- ١٩٨٢ وبعد عدة معارك على الحدود السودانية التشادية إستطاعت قوات حسين هبري وبدعم فرنسي سوداني من السيطرة على العاصمة في ١٩٨٢. (٣١)

 

وأستمر دور الجيش التشادي حاسماً في كل الصراعات السياسية التي مرت بتشاد ففي ٢٠٠٦ كادت قوات حركة فيكس المدعومة من السودان والتي يتزعمها محمد نور عبد الكريم من الاطاحة بنظام إدريس ديبي لكنها فشلت في الإستيلاء على العاصمة بعد أن وصلت قواته الى أطراف العاصمة إلا أن الجيش التشادي أستطاع التعامل مع قوات محمد نور عبد الكريم وتم هزيمتهم. (٣٢)

 

وفي العام ٢٠٠٨ وصلت قوات إتحاد القوى من أجل التنمية والديمقراطية بزعامة محمد نوري الليشي إلى أسوار القصر الجمهوري في العاصمة أنجمينا وبقيت ٣ أيام فيها لكنها لم تنجح في إسقاط نظام إدريس ديبي. (٣٣)

 

 

 

 

الخاتمة:

 

من خلال ما تم طرحة في البحث يتبين صعوبة إشكالية التداول السلمي في الدول الافريقية خاصة في الدولة مكان الدراسة ” تشاد “.

حيث تبين أن النخبة السياسية في هذه البلاد تلعب دوراً محورياً وحيوياً في التغيير السياسي في البلاد خاصة النخبة العسكرية والتي من خلالها يتم السيطرة على السلطة والاستمرار في الحكم.

 

ومما لا شك فيه ان توافق النخبة ورؤيتها هي التي تحدد حاضر هذه البلاد وهي التي تشكل مستقبلها.

كما إن التدخلات العسكرية للجيش التشادي المتكررة في السياسة كانت سبباً رئيساً في عدم الاستقرار في تشاد لذلك إذا ارادت النخبة السياسية في تشاد الاستقرار السياسي في البلاد والتنمية والتطور لا يكون ذلك الا عبر التداول السلمي للسلطة وبشكل ديمقراطي.

ولإمكانية حصول ذلك ينبغي عليها ان تتفق على عدم تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي وان تكتفي المؤسسة العسكرية بالقيام بواجباتها في حماية الحدود والدستور (كما حصل في تونس عام 2010 عقب المظاهرات التي عمت البلاد المطالبة بإسقاط النظام حيث وقف الجيش في صف الشعب وحمى البلاد من الانزلاق للفوضى ورفض إطلاق النار على المتظاهرين وحمى ثورة الشعب وأمر الرئيس بمغادرة البلاد وذلك للحفاظ على مقدرات الدولة التونسية وعدم انزلاقها في فوضى وحرب أهليه).

 

وكذلك فإن التوافق بين النخب السياسية حول دور كل نخبة وإحترام قواعد التداول السلمي للسلطة ينمي الوعي السياسي لدى المجتمع مما يعزز تطور التنمية السياسية في البلاد وينعكس هذا التطور على المشاركة السياسية والمواطنة في البلاد.

 

ولا شك أننا نمر في هذا القرن بتحولات سياسية كبيرة تحدث في كل مكان في العالم لذلك فان التوافق بين النخبة أمر حتمي ولا مجال أمام النخبة الا التوافق في ظل مطالب المجتمع الدولي والدول الكبرى والمنظمات الدولية بالتحول الديمقراطي وإحترام حقوق الانسان وتجريم ومعاقبة التجاوزات التي تقوم بها الحكومات وذلك عبر إنشاء منظمات ومحاكم دولية تعنى بملاحقة الجرائم التي يرتكبها المسؤولين في الدول ضد أبناء بلادهم.

 

وفي ظل التقدم التقني الذي تعيشه البشرية والتي يمكن استقلالها من أجل تنمية البلاد وتطور الشعوب ينبغي على النخب السياسية استقلال ذلك في صالح البلاد والشعب.

 

ولو نظرنا الى أثر التوافق بين النخبة على الدولة والشعب وذلك عبر اتفاقها على التداول السلمي للسلطة ونبذ كل أشكال العنف وإحترام قواعد اللعبة الديمقراطية لكان حري بنا ان نطبق ذلك في بلادنا تشاد.

فبالنظر الى جارتنا دولة نيجيريا نجد أن النخبة السياسية والعسكرية أتفقت على التداول السلمي للسلطة في البلاد وإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة وذلك في عهد الرئيس السابق اباسونغا، حيث تنازل عن الحكم فور إعلان نتائج الانتخابات والتي هزم فيها ابا سونغا على يد جونثان قودلاك وكذلك فإن قودلاك نفسه أقر بهزيمته من الجنرال / محمد بخاري في عام ٢٠١٥ وسلم السلطة بشكل سلمي، فتم تأسيس مفهوم التداول السلمي للسلطة في نيجيريا بعد عقود من الانقلابات العسكرية في البلاد مع تبعات هذه الانقلاب السلبية من عدم الاستقرار السياسي والفساد وتدمير وتبديد مقدرات وثروات الدولة.

 

إن إستمرار ولاء قيادات المؤسسة العسكرية القبلية ينعكس سلباً على عملية التداول السلمي للسلطة في تشاد وما لم يتحول ولاء قيادات المؤسسة العسكرية الى الدولة والى المؤسسة العسكرية فان فرص التداول السلمي للسلطة في تشاد تظل ضئيلة وخاصة في ظل عدم وجود نخبة أخرى توازي النخبة العسكرية من حيث القدرة على التغيير السياسي في البلاد.

 

وكذلك فإن دور المستعمر السابق ” فرنسا ” وتدخلاته يظل حاضر في تقسيم المؤسسة العسكرية واضعافها وذلك لتخوفها من تواجد مؤسسة عسكرية قوية قادرة على حماية البلاد والشعب مما يعزز فرص الاستغناء عنها وعن القاعدة العسكرية في أنجمينا مما يعرض مصالح فرنسا في تشاد للخطر.

 

ويظل دور النخبة المدنية عاملاً مهماً ومحورياً في تكوين الوعي السياسي وتنميته في المجتمع حيث أن دورها مهم جدا في تغير المفاهيم والافكار المتعلقة بالتداول السلمي للسلطة والاحتكام الى اللعبة الديمقراطية وعدم اللجوء الى العنف من أجل التغيير السياسي.

 

وكذلك ضعف وجود دور فاعل للمثقفين والمفكرين التشاديين على الساحة أحد أبرز العوامل التي ساعدت الانظمة المتعاقبة في الحكم في تشاد على السيطرة على الحكم والانفراد بالقرار السياسي.

 

وكذا دور النخبة الدينية مهم جدا ً في توعية الشعب وتثقيف اتباعهم عن مدى أهمية المشاركة السياسية وعدم اللجوء الى وسائل التغيير العنيفة والاحتكام الى الوسائل الديمقراطية في المطالبة بالتغيير وللمحافظة على مصالح النخبة الدينية.

 

مما سبق يتبين لنا أن إشكالية إنتقال وتداول السلطة بشكل سلمي في تشاد أو غيرها من الدول أمر ممكن حدوثه ويمكن تغير نهج الدول التي ظلت تدور في دائرة العنف من أجل التغيير ويمكن للنخبة أن تكون شكل وأسس هذا التغيير السلمي للسلطة وذلك باحترام النخبة قواعد اللعبة الديمقراطية والاحتكام الى الوسائل السلمية للتغير السياسي وعدم الاحتكام الى وسائل العنف من أجل التوصل الى مصالحها.

 

 

 

المراجع:

 

١- عودة الرئيس التشادي الاسبق فليكس مالوم الى بلاده بعد منفى استمر ٢٣ عام،  موقع بانا الاخباري، ٣ يونيو ٢٠٠٢، شبكة الانترنت، ١٥ ابريل ٢٠١٦. http://www.panapress.com/عودة-الرئيس-التشادي-الأسبق-فليكس-مالوم-إلى-بلاده-بعد-منفى-استمر-23-عاما–13-291462-18-lang4-index.html

 

٢- إدريس ديبي، موسوعة شبكة الجزيرة نت، شخصيات، موقع قناة الجزيرة، لا يوجد تاريخ للنشر، شبكة الانترنت،١٥ ابريل ٢٠١٦.

 

http://www.aljazeera.net/encyclopedia/icons/2014/12/2/إدريس-دبّي

 

٣- نفس المرجع السابق.

 

٤- لقاء مع  الدكتور / علي أرجوا هميشي، رئيس حزب العمل من أجل التغيير في تشاد.

 

٥- المادة ٨٦ من دستور تشاد.

 

٦- A Glance at Africa, Njoki N, Wane, page 22,2009.

 

٧- كتاب AFFAIRE HABRE  الصفحات ١٤-١٩، موقع حسين هبري، يونيو ٢٠١٥، http://hisseinhabre.com/IMG/pdf/.pdf

 

٨- المرجع السابق.

٩- المرجع السابق.

١٠- Why is the US military so interested in Chad?, by: Nick Turse, November 2014.

http://www.thenation.com/article/why-us-military-so-interested-chad/

 

١١- إبن رئيس تشاد يقود قوات بلاده ضد الاسلاميين في مالي، وكالة أنباء رويتر، ٧ فبراير ٢٠١٣، شبكة الانترنت، ١٥ ابريل ٢٠١٦.

http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE9B2F9E20130207

 

١٢- القوات التشادية تعلن سيطرتها على شمال خط الاستواء في الكونغو، جريدة الحياة اللندنية، العدد:١٣١٢٠، ٧ فبراير ١٩٩٩.

 

١٣- المرجع السابق رقم ١٠.

١٤-الجيش التشادي يدخل نيجيريا لموجهة بوكو حرام: أخبار اسكاي نيوز عربية، ٣ فبراير ٢٠١٥، http://www.skynewsarabia.com/web/article/721522/الجيش-التشادي-يدخل-نيجيريا-لمواجهة-بوكو-حرام

 

١٥- محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، العهد العثماني، ج ٨، الصفحة ٥٥٠، ١٥ ابريل ٢٠١٦.

 

١٦- دستور تشاد، المادة: ١ والمادة ٤.

 

١٧- رئيس الجمهورية يلتقي بالاحزاب السياسية المتحالفة مع الحركة الوطنية للإنقاذ، موقع رئاسة الجمهورية،  ٧ مارس ٢٠١٦، شبكة الانترنت، ١٥ ابريل ٢٠١٦.

https://www.presidence.td/ar-news-2413.html

 

١٨- إفادة الدكتور/ علي اورجو هميشي، رئيس حركة العمل من أجل التغيير في تشاد المعارضة.

 

١٩- Tchad : les leaders de la société civile condamnés à quatre mois de prison avec sursis، موقع جون افريك، ١٤ ابريل ٢٠١٦.

http://www.jeuneafrique.com/317964/societe/tchad-leaders-de-societe-civile-condamnes-a-quatre-mois-de-prison-sursis/

 

٢٠- تعبئة عامة في تشاد بعد نشر فيديو لإغتصاب جماعي ،١٦ فبراير ٢٠١٦، موقع فرانس ٢٤ الاخباري، ١٥ ابريل ٢٠١٦.

http://observers.france24.com/ar/20160216-فيديو-غتصاب-جماعي-فتاة-زهرة-تشاد

 

٢١- حسب مصادر متعددة منها” موقع السي اي ايه، موقع شبكة الاولكة، كتاب تاريخ العالم الاسلامي الحديث والمعاصر، الجزء الثاني، قارة أفريقيا ” تشاد”. ١٥ ابريل ٢٠١٦.

 

٢٢- تشاد واحة أفريقيا المنسية، موقع الشبكة الاسلامية، ١٦ ديسمبر ٢٠٠٢، شبكة الانترنت، ١٥ ابريل ٢٠١٦.

http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=33940

 

٢٣-  Tchad, Constitution du 14 avril 1996,  يوليو ٢٠٠٩، موقع جامعة بيربيغنان :الدكتور جون ماري، ١٥ أبريل ٢٠١٦.

http://mjp.univ-perp.fr/constit/td.htm

24- تشاد خمسون عاماً من الاضطرابات السياسية، موقع قناة الجزيرة، ٣ فبراير ٢٠٠٨، شبكة الانترنت، ١٥ ابريل ٢٠١٦.

http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2008/2/3/تشاد-خمسون-عاما-من-الاضطرابات-السياسية

 

25- المرجع السابق.

 

26- المرجع السابق رقم ٢٠.

 

27-  المرجع السابق رقم ٢٥.

 

28- تشاد مطالبة بتوضيح مصير المعارض المفقود ابن عمر، موقع قناة الجزيرة، ٢٩ يونيو ٢٠٠٨، شبكة الانترنت، ١٥ أبريل ٢٠١٦.

http://www.aljazeera.net/news/international/2008/6/29/تشاد-مطالبة-بتوضيح-مصير-المعارض-المفقود-ابن-عمر

 

 

29- المرجع السابق رقم ٢٥.

 

30- المرجع السابق رقم ٢٥.

 

31- المرجع السابق رقم ٢٥.

 

32- المرجع السابق رقم ٢٥.

 

 

* الحقوق محفوظة للباحث.

عن جبرين عيسى

كاتب وحقوقي وسياسي تشادي. Chadian writer, human rights activist & politiciaon

شاهد أيضاً

من اليسار دكتور علي اورجو، ادريس ديبي، دكتور ابكر تولي

المصالحة التشادية بين الواقع والمؤمل

جذور الصراع السياسي في نظام ديبي : مع بداية تولي نظام ادريس ديبي الحكم في تشاد نهاية ١٩٩٠م …

تعليق واحد

  1. عثمان محمد نور

    أخي جبريل مقال رائع وضافي ولي عودة بإذن الله تعالى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *