الأحد , ديسمبر 16 2018
الرئيسية / مقالات وآراء / المصالحة التشادية بين الواقع والمؤمل

المصالحة التشادية بين الواقع والمؤمل

جذور الصراع السياسي في نظام ديبي :

مع بداية تولي نظام ادريس ديبي الحكم في تشاد نهاية ١٩٩٠م توقع كثيرون أن شمس الكرامة والحرية قد اشرق في تشاد وان زمن الاستبداد والحكم الشمولي قد ولى دون رجعه، خاصة بعد مقولة ديبي الشهيرة ” انا لم ات لكم بالذهب والفضة لكن اتيت لكم بالحرية والديمقراطية ” .

فبدأ كثيرون من المعارضين والمنفين والمتمردين على نظام حسين هبري بالعودة الى البلاد وإغتنام هذه السانحة من اجل المساهمة في تنمية البلاد والاستقرار في ظل اجواء وتصريحات النظام الجديد والتي تدعوا للتفائل.

وعقد كثيرون من السياسين التشاديين والمواطنين آملاً عريضة على هذا النظام الفتي الذي يدعوا الى الحرية والمساواة والعدالة وينادي بالديمقراطية وذلك بعد عقود من الحروب الاهلية والصراعات الدموية على مدى ٣٠ عام والتي ارهقت الشعب ودمرت البلاد وساهمت في تخلف البلاد عن مواكبة البلدان الاخرى التي تطورت وتقدمت بسبب سياسة الحكم الرشيد والديمقراطية.

لكن ما مرت اشهر قليلة حتى بدأ البعض في مراجعة قرار العودة بعد ان دب الخلاف بين رفقاء الدرب ” ادريس ديبي ” الرئيس الحالي ” وعباس كوتي ” الرجل الثاني في حركة الانقاذ الوطني ” وكذلك الجنرال مالدوم بدا عباس ” وزير داخلية ديبي وغيرهم من القيادات، مما ادى الى تصفية عباس كوتي ومالدوم بدا عباس وذلك بحجة محاولة قلب نظام الحكم.

ومنذ العام الاول من حكم نظام ادريس ديبي وحتى لحظة كتابة هذا المقال لم تنتهي حركات التمرد المسلحة في تشاد بدأ بحركة عباس كوتي و مالدوم بدا عباس وموسى ميدلا وغوكوني غيت ولوكان برداي وكيتاي موييس ومرورا بحركة يوسف توغيمي ومحاولة محمد نور عبدالكريم في ٢٠٠٦ واخيرا محاولة الجنرال محمد نوري عام ٢٠٠٨م ولم يتوقف الصراع السياسي مع نظام الحكم  الاستبدادي عبر شقيه المعارضة الداخلية والحركات المسلحة.

واقع المصالحة:

منذ الوهلة الاولى لتولي ديبي الحكم بدأ في تصفية منافسية من رفقاء السلاح بحجج واهية وهي عادة العسكريين الانقلابيين وذلك بغية السيطرة المطلقة على زمام الحكم.

فبعد اتهام العقيد عباس كوتي بمحاولة انقلاب وهروبه الى السودان عقد العقيد القذافي اتفاق صلح بين ديبي وعباس كوتي وذلك برعاية السودان وبضمانات قدمها القذافي لعباس كوتي، لكن ديبي لم يلتزم بالاتفاق وقام بتصفية عباس كوتي وهو في منزله ” حسب مصادر ” وذلك بتهمة محاولة انقلاب، رغم ان مصادر كثيرة تزعم ان عباس كوتي كان في بيته حين داهمته قوات تابعة لديبي وقامت بتصفيته.

وقام بعد ذلك ديبي بتصفية مالدوم بدا عباس بعد ان قام باتهامه بمحاولة انقلاب ابان تمرد بعض الضباط المنتمين اثنياً لمالدوم بدا عباس، وبعد التشهير به قام ديبي بعزل مالدوم بدا عباس من منصب وزير الداخلية وسحب منه كامل الصلاحيات القيادية في الحزب الحاكم قام ديبي بعد ذلك بتصفيته.

ولأن الشعب التشادي لا يرضى الاستبداد والاستعباد من الحكام فقد قام كايتي موييس ولوكان برداي وغيرهم بالتمرد المسلح  ضد نظام ادريس ديبي مما دعى ديبي لعقد اتفاق سلام وصلح معهم قبل تصفيتهم.

ومن جهة اخرى عقد ديبي عدة اتفاقات صلح ناجعة مع بعض القيادات المتمردة التي لم تجد بد من العودة الى حضن النظام اما لعدم مقدرتهم على مواصلة النضال ضد النظام او لاهداف شخصية بحته او لثقتهم في النظام والضمانات التي يقدمها لهم.

لكن جل قيادات التمرد التي وقعت اتفاقات صلح مع ديبي وسلمت من التصفية الجسدية تم تصفيتها سياسياً عبر قضايا فساد مالية او صهرها في ادارات ثانوية لا تاثير لها على الحياة السياسية في البلاد.

ومن خلال هذه التصفيات للقيادات السياسية المعارضة للنظام بدا جلياً ان فسلفة ديبي في الصلح والسلام  لا تقوم على اساس مصلحة الوطن وحقن دماء التشاديين وتنمية البلاد وبسط اسس الديمقراطية الحقيقية بل هي تقوم على اساس تصفية الخصوم جسدياً عبر اتفاقات سلام وهمية وتصفيات سياسية للمعارضين بقضايا فساد من اجل السيطرة المطلقة على البلاد وثرواته.

المصالحة المأمولة:

بعد احداث الثاني من فبراير ٢٠٠٨م وفشل المعارضة في ازالت نظام ديبي عن الحكم كثيرين من المراقبين توقعوا ان يتعلم ديبي من هذا الدرس ويقدم على مصالحة حقيقية تزيل شبح الحرب مرة اخرى عن البلاد ،خاصة بعد ان اتفق مع الجار البشير رئيس السودان لوقف ممارسات العداء المتبادل وابرام اتفاق صلح يلتزم به الطرفين، وبعد ان طرد معظم قيادات المعارضة التشادية والدارفورية كلى البلدين وهو شرط كلى البلدين للطرف الاخر.

لكن ديبي بعد ان ضمن طرد السودان لقيادات المعارضة السياسية التشادية من اراضيه وعودة بعض العسكرين الى تشاد بعد ان اطلق ما اسماه إعلامياً ” سياسة اليد المدودة للمصالحة “،” والتي لم تكن سوى خدعة وحيلة لتفريغ المعارضة المسلحة من قياداته المؤثرة وصهر العائدين داخل البلاد”، عاد ديبي مرة اخرى الى الاستبداد بالحكم والنكوث بكل الوعود التي التزم بها مقابل عودة البعض الى تشاد “بل قام بسجن معظم الذين وثقوا به وعادوا الى البلاد”، ظناً منه ان هذا اخر العهد بالتمرد في تشاد.

وكما هو الحال في كل مرة ينكث فيها ديبي بالاتفاقات ووعود المصالحة فان حركة تمرد جديدة تظهر في الافق خاصة في هذا العقد الذي بدا فيه تقنيات الاعلام الجديد بالانتشار في تشاد وخارجه ونقل المعلومة والخبر وما يحدث في تشاد من جرائم وسياسات استبدادية يمارسها ديبي وبعض من افراد اسرته واعوانه، اصبحت هذه الاحداث في متناول الجميع وخاصة جرائم الفساد والإغتيالات السياسية والاعتقالات التعسفية وتكميم الافواه والتضيق على حرية الرأي والتعبير، فقد ظهرت في الآوانة الاخيرة حركات تمرد يقودها جيل جديد من قيادات الصف الثاني للتمرد والتي فشلت في الاطاحة بديبي عام ٢٠٠٨م ، منها حركة العمل من اجل التغيير في تشاد MACT والتي يقودها الدكتور علي ارجو هميشي و حركة الوئام الوطني للمقاومة من أجل الديمقراطيةCNRD ويقودها الدكتور ابو بكر توليمي واخرى يقودها مهدي عيسى قرعان وحركة سيدر CDR والتي يقودها المخضرم تيمان ارديمي، وكذلك وجود حركات سياسية معارضة مؤثرة في المنفى خاصة في فرنسا والتي تلعب دوراً مهماً في تكوين الرائ العام الفرنسي والدولي تجاه قضايا تشاد ” مثل حركة مار MAR  والتي يتزعمها أدم حامد ” سوقي “، وحركة اخرى يقودها أبن البروفيسور محمد صالح إبن عمر ” والذي يعتقد ان نظام ديبي قام بتصفيته ابان احداث الثاني من فبراير عام ٢٠٠٨م “،وبالرغم من وجود تباين بين هذه الحركات في الامكانات و الرؤية لكنها متفقة على هدف ازالت نظام ديبي.

وفي خضم أجواء الربيع العربي والذي اجتاح العالم العربي عام ٢٠١١ وغير نظم ودمر بلدان وفرح به من فرح وحزن منه من حزن كان المؤمل من نظام ادريس ديبي ان يراهن على المصالحة وتغليب المصلحة العليا للبلاد وفتح باب حوار حقيقي مع المعارضة السياسية في الخارج والداخل بدل الاساليب الميكيافلية البارغماتية في التعاطي مع الاحداث والرهان على قوة المال والنفوذ من اجل تدمير العملية السياسية في البلاد وفرض سياسة الامر الواقع والحكم الشمولي للبلاد مع وجود مخاطر حقيقية تلوح في الافق وان عودة التمرد المسلح ما هو الا مساءلة وقت وفي حال اندلاع صراع مسلح جديد فان كافة المعطيات على الارض تتوقع ان النظام لن يستطيع ان يصمد مرة اخرى!.

معطيات تنذر بقرب زوال نظام ديبي:

  • زوال نظام العقيد معمر القذافي ” الاب الروحي لديبي والذي قدم الدعم لديبي للانقلاب على نظام هبري”.
  • زوال نظام كومباوري في بوركينا فاسو ” رفيق درب ديبي “.
  • وعود فرنسوا اولاند الاشتراكي ” بعدم مساندة الانظمة الشمولية في افريقيا “،بعد الوصول الى سدة الحكم في فرنسا وازالت حليف ديبي ساركوزي.
  • العبئ السياسي الذي يشكله نظام ديبي الدكتاتوري على فرنسا، خاصة بعد ازمة ليبيا التي ساند فيها ديبي نظام العقيد القذافي.
  • تصريحات ديبي في شهر سيبتمبر بضرورة فك ارتباط الفرنك الافريقي بالفرنك الفرنسي والذي بموجبه تحتفظ فرنسا بـ ٦٠٪ من مداخيل ١٢ دولة افريقية،مما اثار حنق فرنسا ودفعها لتحريك ملف قضية ابادة جماعية رفعها بعض ضحايا ديبي في محكمة أفريقية في السنغال “على غرار القضايا المرفوعة على حسين هبري في محاكم السنغال”.
  • القطيعة مع حركة العدل والمساواة السودانية والتي دعمت ديبي ضد المتمردين التشاديين بعد مقتل دكتور خليل إبراهيم قائدها ” مع وجود مزاعم بضلوع ديبي في عملية إغتياله”.
  • الازمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد اثر دخول ديبي في حروب مالي افريقيا الوسطى والحرب على تنظيم بوكوحرام الارهابي وكذلك بسبب الفساد المستشري في البلاد وهبوط اسعار النفط.
  • فقدان الأمن في البلاد بعد سلسلة الضربات المؤلمة التي وجهها تنظيم بوكوحرام الارهابي في صفوف الجيش التشادي المشارك في محاربة تنظيم بوكوحرام في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد، وكذلك الهجمات الارهابية التي شنها التنظيم داخل تشاد خاصة في العاصمة انجمينا وفي مركز تدريب الشرطة والامن العام وكذلك في المناطق والقرى الحدودية في غرب تشاد، مع تنامي شعور لدى المواطن بعدم تحمل النظام المسؤولية خاصة مع عدم أهتمام ديبي بالتفجيرين الذين استهدفا مقر قيادة الامن العام ومركز تدريب الشرطة بالعاصمة أنجمينا، ومكوث ديبي في اجازة في أم جرس معقل رأسه في شرق البلاد.
  • عدم دفع رواتب الموظفين والطلاب وكثرة الاضرابات التي تنظمها نقابةالعمال والنقابات الطلابية.
  • تنامي قوة الحركات المسلحة على حدود البلاد حيث تمكنت عدة حركات من انشاء معسكرات لها بعد توفر السلاح المهرب من ليبيا.
  • وجود صراعات على طول حدود تشاد ففي الغرب ينشط تنظيم بوكوحرام ” ويوم امس اعلن تطبيق حالة طوارئ في غرب تشاد وحدود افريقيا الوسطى مشتعل منذ عام ونيف وحدود السودان غير مستقر مع تنامي قوة حركات التمرد الدارفورية وحدود ليبيا مشتعل.
  • الخلافات الحادة داخل اسرة ديبي والتي وصلت الى حد عزل الاخ غير الشقيق تيمان ديبي من سلطنة القبيلة ، اخر تلك الخلافات سجن إدريس ديبي لاخيه الغير شقيق سالي ديبي مدير عام الجمارك سابقاً وذلك لرفضه اوامر ديبي و لشراءه ذمم بعض الضباط لموالاته مما تسبب في عزله وسجنه والتنكيل به.
  • تنامي رفض الاوامر العسكرية داخل قيادات الجيش ” خاصة من اثنية ديبي “بعد حرب مالي ونيجيريا وافريقيا الوسطى.
  • توصل المعارضة الداخلية لإتفاق لرفض ترشح ديبي في الانتخابات الرئاسية القادمة ٢٠١٦م وذلك بعد رفض ديبي اعلان عدم الترشح للدورة القادمة من الانتخابات العامة، مع وجود مؤشرات فرنسية لعدم رغبة باريس لترشح ديبي للانتخابات القادمة.
  • تنامي الوعي السياسي لدى المواطن التشادي بعد أنتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتي يولي ديبي شخصياً لها اهتمام كبير، وهي اداة قد تلعب دوراً مهماً في اندلاع اعمال شغب ومظاهرات في حال نشوب معارك مع المعارضة المسلحة.

 

هل من  سبيل للمصالحة؟ 

من سنن الصراع والقتال ان يتوصل المتحاربين الى وقف للقتال اما بعد انتصار طرف على اخر او عبر مصالحة بعد ان يدرك كلى الطرفين ان المصلحة في عدم خوض حرب اما مؤقتاً او بشكل دائم وذلك لادراك الطرفين ان اي منهما لن ينتصر على الاخر.

من المؤسف ان نقول ان الحنكة السياسية والحكمة  تغيب عن المشهد السياسي التشادي خاصة لدى النظام وهو الطرف المؤمل منه طرح المبادرات ومشاريع السلام والمصالحة وذلك لثقة النظام ان القوة هي السبيل الوحيد لتغيير الامر الواقع الذي تفرضه على البلاد وهذا ما يؤخذ على نظام ديبي، في حين ان مصلحة ديبي في هذه الظروف تقتضي التصرف بحكمة وذكاء وذلك للأعتبارات التي ذكرت آنفا.

وكما يؤخذ على المعارضة المسلحة ضيق الافق ” عدم الابتكار في وسائل العمل السياسي والالتزام بخط العمل العسكري فقط ” وعدم وجود رؤية مشتركة بين حركات التمرد وعدم تغليب المصلحة العامة للبلاد على المصالح الحزبية الضيقة.

وكذلك الاحزاب الداخلية المعارضة هي ليس لها دور مؤثر كبير في القرار السياسي لان جل هذه الاحزاب ليس لديها ادوات تعينها على الالتزام بخط واضح مع باقي طيف الاحزاب المعارضة الداخلية، وفي كثير من الاحيان تخضع لابتزاز النظام .

المصالحة السياسية في تشاد ممكنة اذا قدمت تضحيات من كل الاطراف الفاعلة مع مبادرة من النظام  الحاكم وأحزاب المعارضة السلمية الداخلية وتوحيد صف المعارضة المسلحة مع وجود راعي كفئ ومحياد لديه الرغبة والمصلحة في بسط السلام والاستقرار في تشاد، قد تلعب بعض دول الخليج وبعض الدول الاسلامية الاقليمية دوراً مهماً اذا وجدت رغبة من النظام في المصالحة والاستقرار والسلام الذي ينشده كل تشادي يريد مصلحة تشاد وشعبه فهل نرى في قادم الايام دعوات للمصالحة والسلام  والاستقرار في تشاد؟.

عن جبرين عيسى

كاتب وحقوقي وسياسي تشادي. Chadian writer, human rights activist & politiciaon

شاهد أيضاً

من اليسار دكتور علي اورجو، ادريس ديبي، دكتور ابكر تولي

Roots of Chadian conflict: 1990-2015

When Idriss Deby’s regime just took over authority in Chad in late 1990, many Chadians …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *