الثلاثاء , أكتوبر 22 2019
aren
الرئيسية / مقالات وآراء / قراءة لسياسة ديبي وفن استغلال الفرص والأزمات الداخلية والخارجية للاستمرار في حكم تشاد.

قراءة لسياسة ديبي وفن استغلال الفرص والأزمات الداخلية والخارجية للاستمرار في حكم تشاد.

يعيش المواطن التشادي منذ 2016 بالتحديد ازمة اقتصادية كبيرة وضيق في المعيشة وضنك في الحياة فوق العذاب اليومي الذي يعيشه منذ 130 سنة (من عام 1890 بداية استعمار فرنسا لتشاد).

شعر نظام ديبي بان لا خطر عليه من ثورات مسلحة او اضرابات مهنية او اعتصامات وتظاهرات او حتى عقوبات دولية ففرد ريشه وفتل عن عضلاته ضد الشعب حتى وصل الامر الى عزل فئة معينة من الشعب (فرض حالة الطوارئ) وتجريدهم من أدوات الدفاع عن النفس وتركهم وليمة سهلة لجماعة أخرى (ميليشيات النظام) تؤيدها للنيل منهم وكذلك وصل الامر لحد انتهاك حقوق الانسان بشكل غير مسبوق في تاريخ تشاد الحديث .

ويعود هذا الامر الى عدة اسباب نتناول أهمها في هذه السطور..


أولاً التعامل مع ملفات الحركات المسلحة والأزمات الإقليمية والدولية:

1- استطاع النظام خلخلت الخطر الأكبر وهي الثورات المسلحة خاصة في الشمال ( الثوار على حدود ليبيا ) وذلك عبر تغلغلها في صفوف الحركات المسلحة أما بإرسال عناصرها الامنية وانضمامهم لهذه الحركات أو بتكوين فصائل موازية لتلك الحركات المسلحة ( وهنا لست احكم على شخص او فصيل بعينه ) ومن ثم نشر بذور الفرقة بين هذه الحركات التي لديها اهداف سامية و وطنية والعمل على تقويض اي محاولة للم شمل الحركات المسلحة في تنظيم واحد، ومن ثم يتم إشغال الثوار بمعارك جانبية ( التدخل في الشأن الليبي مثلاً) لا توصلهم الى الهدف الأساسي من الثورة ومن ثم تشظيها الى حركات صغيرة ترتكز جل همها على عدم الفشل والمحافظة على كينونتها وبقاءها واستمرارها في الساحة وان لم تحقق هدفها الاصلي، كما استغلت هذه الحركات من جميع الأطراف في ليبيا حكومة الوفاق ، برلمان طبرق ، بقايا نظام القذافي ، ” كل هذه الأطراف زارت ديبي وعملت معها اتفاقيات سرية ” وكذلك الاجهزة الامنية الدولية وغيرهم لخدمة ديبي بشكل غير مباشر للحفاظ على مصالحهم في المنطقة، وفي حال حاول أي فصيل جاد عبور الحدود الى تشاد فان النظام الدولي متمثلاً في فرنسا يكون له بالمرصاد وقد رأيتم كيف قصف الفرنسيون قوات تيمان ارديمي قبل شهور و اوقفت زحفها تجاه العاصمة!.

2- كما استطاع نظام ديبي الاستفادة كثيراً من الازمات الإقليمية مثل الحرب على الإرهاب والجماعات المتطرفة وقدم نفسه على انه الأداة المثلى لمحاربة هذه التنظيمات في دول الساحل والصحراء ، والضامن للمصالح الغربية في هذه البلاد، فوضعت جيشها ومالها وارضها وسماءها وشعبها وكل مؤسسات الدولة وامكانياتها تحت امرت المجتمع الدولي لقتال جماعة بوكو حرام ( الدولة الإسلامية) في نيجيريا والكاميرون والنيجر ناهيك عن تشاد وكذلك تبرعت بجيشها في القتال ضد الجماعات المقاتلة في مالي وقد كانت اعداد الجيش التشادي الأكبر حتى من الجيش المالي المشارك في العمليات القتالية ( وكذلك كان أكثر اعداد الضحايا في هذه الحرب من الجيش التشادي) ومن التنازلات التي قدمها نظام ادريس ديبي من أجل الحفاظ على الحكم والاستمرار فيه فتح الأراضي التشادية للقواعد العسكرية الغربية ( قواعد أمريكية وفرنسية ” وربما إسرائيلية”)

فأصبحت تشاد هي القاعدة الخلفية لمحاربة ( ما يسمى بالإرهاب ) للحفاظ على مصالح الغرب ومن ثم الحفاظ على النظام القائم مهما كانت تجاوزات النظام ضد الشعب التشادي، ومن الأدوات التي استخدمها ديبي ايضاً تقديم تنازل كبيرة للنظام الفرنسي الاستعماري بتجديد اتفاقية الدفاع المشترك ( الاستعمار الغير مباشر) مع فرنسا، وإعطاء مصوغ قانوني لفرنسا للبقاء في تشاد الى ما لا نهاية، كما قدم النظام موارد البلاد للفرنسين والامريكان والصينيين وغيرهم وذلك بقبول الاستثمار في الثروة الطبيعية والبنية التحتية لتشاد بعقود واتفاقيات تضر باقتصاد البلاد ومصلحة الشعب على المستوى الاستراتيجي ( نسبة تشاد من العوائد المالية وسداد الديون وفوائد الديون والشروط الجزائية في حال عدم السداد )

وبهذه التنازلات ضمن نظام ديبي عدم انقلاب النظام الدولي عليه بل حمايته من أي خطر قد يحدق به.كما ان نظام ديبي قدم تنازلات ولعب بأوراق أخرى كثيرة منها كسر حاجز قطع العلاقة مع الكيان الصهيوني وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين تشاد والكيان وذلك للمساهمة في تغيير نظرة بعض الدول العربية والإسلامية والافريقية في قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني، فكسب ود دولي وإقليمي! (رغم عدم حصول نظام ديبي على مكاسب ظاهرية كبيرة من هذا الامر، الا انه مكسب سياسي اخر يحسب للنظام).


ثانياً الأدوات الداخلية:


1- تمكن نظام ديبي من تفتيت قوة ومكانة الأحزاب المعارضة الداخلية ومؤسسات المجتمع المدني داخل تشاد خاصة النقابات المهنية والطلابية (وهي الأكثر تنظيماً وفعالية) وذلك بملاحقة المسؤولين فيها والتضيق عليهم واعتقالهم او منع وصول المساعدات والهبات المالية اليهم او فتح الباب امامهم للهجرة خارج البلاد او بإنشاء كيانات موازية لها عبر منشقين من الكيانات الاصلية (ظاهرها الإصلاح وباطنها تعطيل الكيان الأصلي)، فتتمكن من التغلغل داخل هذه المؤسسات والسيطرة عليها وتوجيهها حسب مصالحها.

2- ومن الأدوات التي يستخدمها النظام في السيطرة على الداخل تغيير النخبة القبلية ( شيوخ وأمراء وسلاطين القبائل) وذلك عبر التدخل الغير مباشر أو المباشر في اعراف ونظام تنصيب السلاطين وشيوخ القبائل وفرض شخصيات موالية 100٪ للنظام ، فان فشل النظام في التلاعب بالهيكل التنظيمي للقبائل يستخدم حيلة أخرى وهي تقسيم المشيخة الى فروع صغيرة وزرع الفتن بينها مستقلة وجود موروث او خلاف بين افراد تلك القبيلة ، فان فشلت حتى هذه الحيلة يبدأ بتجنيد بعض أبناء شيوخ تلك القبيلة وشراء ولائها عبر المحاصصة الوظيفية او المنح الدراسية او المال او استخدام أدوات قذرة للسيطرة او غيرها من أدوات التأثير والتجنيد، فان لم تجدي كل تلك الحيل يبدأ بفتح باب الهجرة للخارج لشباب تلك القبيلة خاصة أبناء الأعيان ( انظروا كيف يمكن ان يحصل عدد كبير من شباب قبيلة معينة على تاشيرة أمريكا وكندا وبريطانيا وفرنسا في وقت معين في حين ان أبناء قبائل أخرى يتم رفضهم ولا يحصلون على تأشيرة في وقت محدد ، حتى لو كان مستوفي لشروط الفيزا)، انظر الى محاصصة المنح الدراسية في دولة مثل الجزائر او مصر او الخليج او تركيا او كوبا!!.

3- أما فيما يخص الطبقة الاولى في النظام فهي الحلقة الأكثر خطورة على نظام ديبي وذلك لسبب انها قريبة من الحكم وتعرف معظم ما يجرى وراء الكواليس ومن عادة فرنسا انها دائماً ما تضع أكثر من ورقة بديلة تستخدمها في حال تعرض مصالحها للخطر، وعادةً في حال اكتشف ديبي احد هذه الأدوات البديلة فانه اما ان يصفيه سياسياً واخلاقياً بخلق فضيحة للشخص المعني” قد تكون حقيقية” او اذا كان الشخص لا يمكن تصفيته سياسياً يتم إشغاله بمناصب ومهام ( خارج البلاد ) يتم من خلالها ابعاده عن دائرة التأثير فيصبح كرت محروق ولا يمكن لفرنسا او غيرها الاعتماد عليه، او اذا كان الشخص لا يمكن تصفيته سياسياً او اشغاله بمهام او منصب ولا يمكن شراء ذمته يتم تصفيته جسدياً بعمل أمني عالي المستوى ( انظر كم شخص قريب جداً من النظام يصاب فجأة بمرض غريب وينقل الى الخارج ويعود لتشاد في كفن ).

تساؤلات:
الى متى يمكن ان يستمر نظام ديبي في استخدام هذه الأدوات الداخلية والخارجية لصالحه؟

وهل يمكن ان يغير الفاعلون في الداخل والخارج من مواقفهم تجاه نظام ديبي لسبب او اخر؟

وهل يمكن أن يحدث تغيير قريباً في تشاد يساهم في رفع الظلم عن الشعب وتتغير أحوال الناس الى الأفضل وينتهي هذا الاستبداد؟


أسئلة كثيرة بلا أجوبة!


الى اللقاء في الورقة القادمة باذن الله!!


جبرين عيسى…

عن جبرين عيسى

كاتب وحقوقي وسياسي تشادي. Chadian writer, human rights activist & politiciaon

شاهد أيضاً

دور الفاعلون الدوليون بمناطق الصراع في الشرق الأوسط “دراسة حالة ليبيا والعراق وسوريا”

الباحث: جبرين عيسى   المقدمة: تسعى هذه الورقة لرصد أهم الفاعلين الدوليين في مناطق الصراع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.